مطبخه كل يوم أربعمائة رأس من الغنم ، وأما غير ذلك من الدجاج وفراخ الحمام ، والخراف الرضع ، والأجدية فلا يحصى ، فكانت تنزل فضلات السماط ويبيعها الفراشون والطباخون وأرباب النوالات والجرايات عند باب قلعة دمشق بأبخس الأثمان ، فكانت تعم أهل دمشق ، وكان أكثر الناس بدمشق يغنيهم منها عن الطبخ في بيوتهم .
وقال علاء الدين علي بن نصر الله : جاء السلطان الملك الناصر رحمه الله إلى داري بغتة ، ومعه جماعة كثيرة من أصحابه ، فمددت له في الوقت سماطا فيه من الأطعمة الفاخرة ، ومن أنواع الدجاج المحشو بالسكر والقلوبات شيء كثير ، فبقي متعجبا وقال : في أي وقت تهيأ لك عمل هذا كله ؟ فقلت : والله هذا كله من نعمتك ، ومن سماطك ، ما صنعت لك شيئا منه ، وإنما اشتريته من عند باب القلعة ، وحكيت له ما يباع من ذلك ، ومثل هذا لم يتفق لملك قبله ، وكان يصل إلى الرسل ، والوافدين إليه والقاصدين بابه من إحسانه ، وعطاياه وبره ما لم يصل من أحد من الملوك إلى من يقصدهم .
وحكى لي بهاء الدين عبد الله بن محبوب رحمه الله وكان متوليا نظر الحوائج خاناه التي له بدمشق ، أن نفقة مطابخه وما يتعلق بها في كل يوم فوق عشرين ألف درهم ، وكان الملك الناصر رحمه الله حليما إلى الغاية ، عظيم العفو عن الزلات لا يرى المؤاخذة ، والانتقام بل سجيته الصفح والتجاوز ، تجاوز الله عنه وعفا عن سيآته ، اعترضه شخص يوما بورقة فأمر بأخذها منه ، وقرأها فوجد فيها الوقيعة فيه ، وذمة فقال لبعض غلمانه : قل له يخرج من باب دمشق إلى حيث شاء ، فأنا ما أوذيه ، ولا أقابله على فعله ، وتقرب إليه جماعة من الأدباء والفضلاء ، فكان يحاضرهم أحسن محاضرة ، وكان على ذهنه شيء كثير من الأدب ، وأشعار العرب ، وغيرهم من المتأخرين ، وينظم نظما حسنا ، وله نوادر حلوة ، وأجوبة مسكتة ، ولما بني الشيخ نجم الدين الباذرائي رحمه الله
تاريخ دمشق — صفحة 1003
مساهمون: سهيل زكار
ص١٠٠٣