فلما فرسوا الآيات صاغوا * لها طوقا كما عقد السخاب « 1 »
إذا ماتت تورثه بنوها * وإن تقتل فليس له استلاب
كذا الأفعى يربيها لديه * وذي الجنى أرسله يساب
فلا رب البرية يومننها * ولا الجني أصبح يستتاب
وتقول العرب للرسول إذا أبطأ ولم يرجع : ما هو إلا غراب نوح « 2 » لأنهم يزعمون أنه بعثه لينظر هل جفّ من الأرض شيء ، فوجد جيف الغرقى فاشتغل يأكل منها ولم يرجع ، فبعث نوح الحمامة تنظر ، فلم تلبث أن جاءت بعرق شجرة ، فعلم أنه قد نضب الماء . والثأط الحمأة ، ويقال إن نوحا دعا لها فطوقت ، وهذا مما يغلط فيه العامة ، وإنما الحمام كل مطوق ، ومثل الدباسي والقماري والفواخت « 3 » وأمّا الحمام الهدي والبيتي والوحشية والورق والخضر ، فهي اليمام ، الواحدة يمامة وقال أمية في ذلك :
ألا لن يفوت المرء رحمة ربه * ولو كان تحت الأرض سبعين واديا
كرحمة نوح يوم حلّ بسبعة * لسبعته كانوا جميعا ثمانيا
فلما استفار اللّه تنور أرضه * ففار وكان الماء في الأرض ساحيا
دعا بابنه نوح ألا اركب فإنني * دعوتك لما أقبل الماء طاغيا
فقال سأرقى فوق أعيط حالق * فقال له لست الغدية ناجيا « 4 »
وقال الأعشى « 5 » يذكر خبر نوح :
هامش
( 1 ) السخاب بالكسر : القلادة .
( 2 ) ومن هذا تقول العرب متشائمة بالغراب وللرسول الذي لا يأتي بخير .إذا أبطأ الرسول فرج خيرا * وأين الخير من وجه الغرابوفي رواية : إذا نطق الغراب الخ .
وقال آخر :ومن يكن الغراب له دليلا * أناخ به على جيف الكلاب( 3 ) الدباسي : طائر أدكن يقرقر . والقماري : معروفة . والفواخت : هي المعروفة لدينا معاشر اليمنيين بالعيل .
( 4 ) الأعيط : الطويل المنيف . والحالق : المشرف المرتفع معروف ، والغدية بالفتح : كالغداة وهي البكرة أو ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس .
( 5 ) الأعشى : هو أبو بصير ميمون بن قيس بن جندل بن عوف بن سعد بن ضبيعة بن قيس بن عكابة بن صعب بن بكر بن وائل .
والأعشى في اللغة : من لا يبصر في الليل ويبصر بالنهار ، وقد كناه معاصروه بأبي بصير إعجابا بقوة بصيرته ، وأجمع الأدباء على تلقيبه بصناجة العرب لمتانة شعره -