[ ذكر ما جاء عن كعب الأحبار ]
ألم يخز التفرق جند كسرى « 1 » * ونحّوا عن مدائنهم فطاروا
وشقّ البحر عن أصحاب موسى « 2 » * وغرّقت الفراعنة الكبار
وكم من مدّة سبقت لقوم * زمانا ثم عالقها انبتار
فهل من جدّة إلّا ستبلى * ويقصر طولها عنك القصار
وأنذركم مصارع قوم نوح * وكانت أمّه فيها انتشار
وكان يسبح الرحمن شكرا * وللّه المحامد والوقار
فلما أن أراد اللّه أمرا * مضى والمشركون لهم جؤار
ونادى صاحب التنّور نوحا * وصبّ عليهم منه البوار
وضجوا عند جيئته إليهم * ولا ينجى من القدر الفرار
وجاش الماء منهمرا إليهم * كأن عثا عرق يستشار
وعامت وهي قاصدة تأدى * ولولا اللّه جار بها الجوار
إلى الجودي حتى صار حجرا * وحان لسالك الغمر الخسار
تقول العرب وبعض أهل الكتاب : إن صاحب التنّور كان يخبز فيها بموضعها من الكوفة « 3 » ، حتى سقط منه الشوبق « 4 » في جوف التنّور ، فنبع الماء من تحت النار ، والوجه ما ذكرنا في أول السيرة من هذا الكتاب ، ما رواه أهل صعدة عن كعب الأحبار « 5 » في خلق آدم ، ومن خلفه إلى نوح ، وخبر الطوفان .
هامش
( 1 ) كسرى : لقب لكل من تملك بلاد فارس .
( 2 ) موسى : هو ابن عمران صاحب فرعون . وقد قص اللّه خبره في كتابه العزيز في غير ما آية .
( 3 ) الكوفة : مدينة بالعراق الغربي على ساحل الفرات ، أسسها سعد بن أبي وقاص بعد وقعة القادسية سنة 18 ه . وبها ابتدأت الدولة العباسية واتخذتها عاصمة لها وتقلص عمرانها بعد تأسيسها « بغداد » وكانت الكوفة والبصرة مركزا هاما للثقافة العربية ، زخرت بالعلماء والمحدثين والنحويين والفقهاء والشعراء وأنجبت أماثل وأفاضل لا يحصون ، كانوا ولا يزالون مفخرة العرب والإسلام ، وكانت مساحة الكوفة ستة عشر ميلا وثلثي ميل ، فيها ستة وسبعون ألف دار للعرب منها اثنا عشر ألف دار للقبائل اليمانية ، وهي الآن مدينة تزدهر بالعمران في العهد الثوري الجديد .
( 4 ) الشوبق : بالضم خشبة الخباز التي يصلح بها الرقاق والخبز قبل أن يدخله الطابون : التنور .
( 5 ) هو أبو إسحاق كعب بن ماتع الرعيني الحميري المشهور بكعب الأحبار كان عالم أهل الكتاب ، ومن كبار أحبارهم ، ولما أسلم كان من أعيان التابعين وجلتهم ومن أقدم رواة الحديث ، أسلم أيام عمر بعد ما تبين له الحق ونزل المدينة وكان من عمر كالصاحب والمستشار ، ثم نزل الشام ومات بحمص سنة 34 ه وله أخبار وروايات طافحة بها الموسوعات العلمية « الجندي » .
ويظهر من رواية إبراهيم بن عبد الملك الخنفري أن لكعب مؤلفات في التاريخ وغيره .