تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإحاطة في أخبار غرناطة — صفحة 546

مساهمون:

ص٥٤٦
واعلم أنّ عدوّك من أتباعك من تناسيت حسن قرضه ، أو زادت مؤونته على نصيبه منك وفرضه . فأصمت الحجج « 1 » ، وتوقّ اللّجج « 2 » ، واسترب بالأمل ، ولا يحملنك انتظام الأمور على الاستهانة بالعمل . ولا تحقّرنّ صغير الفساد ، فيأخذ في الاستئساد . واحبس الألسنة عن التّحالي « 3 » باغتيابك ، والتّشبّث بأذيال ثيابك ، فإنّ سوء الطّاعة ينتقل من الأعين الباصرة ، إلى الألسن القاصرة ، ثم إلى الأيدي المتناصرة . ولا تثق بنفسك في قتال عدوّ ناواك « 4 » ، حتى تظفر بعدوّ غضبك وهواك . وليكن خوفك من سوء تدبيرك ، أكثر من عدوّك السّاعي في تتبيرك « 5 » . وإذا استنزلت ناجما « 6 » ، أو أمنت ثائرا هاجما ، فلا تقلّده البلد الذي فيه نجم ، وهمى عارضه « 7 » فيه وانسجم ، يعظّم عليك القدح في اختيارك ، والغضّ « 8 » من إيثارك ، واحترز من كيده في حوزك « 9 » ومأمّك ، فإنّك أكبر همّه وليس بأكبر همّك . وجمّل المملكة بتأمين الفلوات ، وتسهيل الأقوات ، وتجويد « 10 » ما يتعامل به من الصّرف في البياعات ، وإجراء العوائد مع الأيام والسّاعات ، ولا تبخس عيار قيم البضاعات ، ولتكن يدك عن أموال الناس محجورة ، وفي احترامها إلّا عن الثّلاثة مأجورة : مال من عدا طوره وطور « 11 » أهله ، وتجاوز « 12 » في الملابس والزّينة ، وفضول المدينة ، يروم معارضتك بحمله « 13 » ، ومن باطن أعداك ، وأمن اعتداك ، ومن أساء جوار رعيّتك بإخساره ، وبذل الأذاية فيهم بيمينه ويساره . وأضرّ ما منيت به التّعادي بين عبدانك ، أو في بلد من بلدانك ، فسدّ فيه الباب ، واسأل عن الأسباب ، وانقلهم بوساطة أولي الألباب ، إلى حالة الأحباب . ولا تطوّق الأعلام أطواق المنون ، بهواجس الظّنون ، فهو أمر لا يقف عند حدّ ، ولا ينتهي إلى عدّ . واجعل ولدك في احتراسك ، [ وصدق مراسك ] « 14 » ، حتى لا يطمع في افتراسك .
هامش
( 1 ) في الأصل : « للحجج » ، والتصويب من النفح . ( 2 ) توقّ اللّجج : تحفّظ من الاسترسال في الجدال . ( 3 ) في النفح : « التخالي » ، بخاء معجمة . ( 4 ) أصل القول : « ناوأك » ، وقد خفّف الهمزة للسجعة . ( 5 ) التتبير : الهلاك . ( 6 ) الناجم : الثائر . ( 7 ) العارض : السّحاب . ( 8 ) الغضّ : الانتقاص . ( 9 ) في النفح : « حورك » . والحور : العودة . والمأمّ : القصد . ( 10 ) في النفح : « وتجديد » . ( 11 ) في النفح : « طور » . ( 12 ) في النفح : « وتخارق » . ( 13 ) في النفح : « بجهله » . ( 14 ) ما بين قوسين ساقط في نفح الطيب .