تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإحاطة في أخبار غرناطة — صفحة 545

مساهمون:

ص٥٤٥
سالمك ، بنفيس « 1 » ما في يدك . وفضّل حاصل يومك على منتظر غدك ، فإن أبى وضحت محجّتك ، وقامت عليه للناس « 2 » حجّتك ، فللنفوس على الباغين ميل ، ولها من جانبه نيل ، واستمدّ « 3 » كل يوم سيرة من يناويك ، واجتهد أن لا يباريك « 4 » في خير ولا يساويك ، وأكذب بالخير ما يشنّعه « 5 » من مساويك ، ولا تقبل من الإطراء إلّا ما كان فيك ، فضل عن إطالته ، وجدّ يزري ببطالته « 6 » . ولا تلق المذنب بحميّتك وسبّك ، واذكر عند حميّة « 7 » الغضب ذنوبك إلى ربّك . ولا تنس أنّ ذنب « 8 » المذنب أجلسك مجلس الفصل ، وجعل من « 9 » قبضتك رياش النّصل . وتشاغل في هدنة الأيام بالاستعداد ، واعلم أنّ التّراخي منذر بالاشتداد . ولا تهمل عرض ديوانك ، واختبار أعوانك ، وتحصين معاقلك وقلاعك ، وعمّ إيالتك « 10 » بحسن اضطلاعك . ولا تشغل زمن الهدنة بلذّاتك ، فتجني في الشّدة على ذاتك . ولا تطلق في دولتك ألسنة الكهانة والإرجاف ، ومطاردة الآمال العجاف « 11 » ، فإنه يبعث سوء القول ، ويفتح باب الغول « 12 » . وحذّر على المدرّسين والمعلّمين « 13 » ، والعلماء والمتكلّمين ، حمل الأحداث على الشّكوك الخالجة ، والزلّات « 14 » الوالجة ، فإنه يفسد طباعهم ، ويغري سباعهم ، ويمدّ في مخالفة الملّة باعهم . وسدّ سبل « 15 » الشّفاعات فإنها تفسد عليك حسن الاختيار ، ونفوس الخيار . وابذل في الأسرى من حسن ملكتك ما يرضي من ملّكك رقابها ، وقلّدك ثوابها وعقابها . وتلقّ بدء نهارك بذكر اللّه في ترفّعك وابتذالك ، واختم اليوم بمثل ذلك . واعلم أنك مع كثرة حجّابك ، وكثافة حجابك ، بمنزلة الظّاهر للعيون ، المطالب بالدّيون ، لشدّة البحث عن أمورك ، وتعرّف السّرّ الخفيّ بين آمرك ومأمورك ، فاعمل في سرّك ما لا تستقبح أن يكون ظاهرا ، ولا تأنف أن تكون به مجاهرا ، وأحكم بريك في اللّه ونحتك ، وخف من فوقك يخفك « 16 » من تحتك .
هامش
( 1 ) في الأصل : « بنفس » ، والتصويب من النفح . ( 2 ) في النفح : « للناس بذلك حجّتك » . ( 3 ) في النفح : « واستهد في كلّ . . . » . وقوله : استهدى سيرته : طلب أن يهدى إليها ، أي طلب أن يتعرّف على أخباره . ( 4 ) في النفح : « يوازيك » . ( 5 ) في النفح : « يشيعه » . ( 6 ) في النفح : « على بطالته » . ( 7 ) في النفح : « حركة » . ( 8 ) في النفح : « ربّ » . ( 9 ) في النفح : « في » . ( 10 ) الإيالة : السياسة ، وأراد هنا البلاد التي يسوسها . ( 11 ) العجاف : الهزيلة ، واحدتها : عجفاء . ( 12 ) في النفح : « العول » ، بعين غير معجمة . ( 13 ) في النفح : « والمتعلمين » . ( 14 ) في النفح : « والمزلّات » . ( 15 ) في النفح : « سبيل » . ( 16 ) في النفح : « يخف » .