تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإحاطة في أخبار غرناطة — صفحة 50

مساهمون:

ص٥٠
مجلسه ، وثارت بهم الرجال ، فأحيط بهم ، ونزعت سيوفهم عن عواتقهم ، وطارت الخيل في ضمّ من شذّ عنهم ، فتقبّض على طائفة من أعلامهم ، كانوا بين غرّ يباشر قنصا ، أو مفلت لم يجد مهربا ، وطارت الكتب إلى مالقة في شأن من بها منهم ، فشملهم الاعتقال ، ثم نقلوا إلى مدينة المنكب ، فجعلوا في مطبق الأسرى بها ، إبلاغا في النكال ، وتناهيا في المثلة ، فلم تجر عليهم مصيبة أعظم منها ، لاضطرارهم إلى قضاء حاجة الإنسان برأي عين من أخيه ، خطة خسف سئموها ، مع العلم بنفور نفوسهم عن مثلها ، وفيهم صدور البيت وأعلامه ، كأبي ثابت المترجم به ، وأخيه كبيره إبراهيم ، وابن عمهم زين المواكب ، وقريع السيوف ، وعروس الخيل ، حمّو بن عبد اللّه ، وسواهم ، وقانا اللّه شرّ الهلكات ، واشرأب مخيفهم للسلطان صاحب المغرب ، وولي الثّرة ، إلى صرفهم إليه ، وقد استوجب من ملك الأندلس الملاطفة لالتفاته لسيء البرد ، واقتحامه باب القطر . وأخفق السعي ، وضنّ بهم موقع النّقمة عن إسلامهم إليه ، سيرة أحسنها في جنسهم من أولي الجهالف ، فأجلاهم عما قريب في البحر إلى إفريقية ، فاستقرّوا ببجاية ، ثم استقدموا إلى تونس تحت إرصاد ورقبة ، وأخفر فيهم ملكها الذّمة ، وهم لديه ، فوجّههم على بعد الدار ، ونزوح المزار ، إلى السلطان صاحب المغرب ، مصحبين بشفاعة فيهم ، كانت قصارى ما لديه ، فاستقرّوا في الجملة تحت فلاح وكفاية ، لا تلفت إليهم عين ، ولا يتشبّث بذمل حظوتهم أمل . ثم نكبوا بظاهر سبتة نكبة ثقيلة البرك ، مغارة البرك الحمل ، وأودعوا شرّ السجون بمدينة مكناسة ، فأصبحوا رهن قيود عديدة ، ومسلحة مرتّبة ، جرّ ذلك عليهم ذرّة من القول في باب طموحهم إلى الثورة ، وعملهم على الانتزاء بسبتة ، اللّه أعلم بحقّه من مينه . ولمّا صيّر اللّه ملك المغرب إلى السلطان ، أمير المؤمنين أبي عنان ، واضطره الحال إلى الاستظهار بمثلهم ، انتشلهم من النكبة ، وجبرهم بعد الصّدعة ، وأعلق يد كبيرهم المترجم به بعروة العزّة ، واستعان بآرائه على افتراع الهضبة ، فألفى منه نقّابا قد هذّبته التجربة ، وأرهفته المحنة ، وأخلصته الصّنيعة ، فسلّ منه سيفا على أعدائه ، وزعموا أنه انقاد إلى هوى نفسه ، واستفزّته قوة الثرّة ، ولذّة التّشفي ، وذهب إلى أن يكل للسلطان ناكبه المجاراة صاعا بصاع ، فانتدب إلى ضبط ما بالأندلس من عمالة راجعة إلى ملك المغرب ، فانقلب يجرّ وراءه الجيش ، ويجنّب القوة ، فقطع به عن أمله القاطع بالآمال ، وأحانه اللّه ببعض مراحل طريقه مطعونا لطفا من اللّه به ، وبمن استهدف إلى النّصب بمجادّته . وهو سبحانه مليء بالمغفرة عن المسرفين ، سبحانه . وفاته : في الأخريات من عام تسعة وأربعين وسبعمائة .