تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإحاطة في أخبار غرناطة — صفحة 251

مساهمون:

ص٢٥١
كلّ به مصابا . لا جرم أني شربت من كأسه مستفظعها « 1 » ، وشرقت بها وبماء « 2 » دمعي الذي ارفضّ معها ، فغالت خلدي ، وغالبت جلدي ، حتى غبت عنّي ، ولم أدر بآلامي التي تعنّي . ثم أفقت من سكري ، ونفقت « 3 » مبدّد فكري ، فراجعني التّذكار والتّهمام ، وطاوعني شجونا « 4 » يتعاطاه الحمام ، فبكيت حتى خشيت أن يعشيني ، وغشيت إذ غشيني من ذلك أليم « 5 » ما غشيني ، وظلت ألقى « 6 » انبجاسا للتّرح يلقيني ، فتارة يعنيني ، وتارة يبقيني ، فلو أن احتدامي ، والتّدامي ، وجفني الدّامي ، اطّلعت على بعضه الخنساء ، لقالت : هذه عزمة حزن لا يستطيعها النّساء . ذلك بأن قسمة المراثي كقسمة الميراث ، وللذّكران المزيّة ، كان للسّرور أو للرّزيّة ، على الإناث ، هذا لو وازن مبكيّ مبكيا ، ووارى ترابيّ فلكيّا ، إنا « 7 » لنبكي نور علم وهي تبكي ظلمة جهل ، وندبتي بجبل يدعى بسهل ، كان « 8 » يتفجّر منه الأنهار ، وينهال جانبه من خشية اللّه أو ينهار ، في مثله ولا أريد بالمثل سواه ، فما كان في أبناء الجنس من ساواه . يحسن الجزع من كل مؤمن تقي ، ويقال للمتجلد : لا تنزع الرّحمة إلّا من شقي ، فكل جفن بعده جاف ، فصاحبه جلف أوصاف « 9 » ، وكل فؤاد لم تصدع « 10 » له صفاته ، ولم تتغيّر لفقده صفاته ، فمتحقّق عند العلماء « 11 » معلوم ، أنه معدود في الحجارة أو معدوم . فيا ليت شعري يوم ودّع للتّرحال ، ودعا حاديه بشدّ « 12 » الرّحال ، كيف كان حاضروه في تلك الحال ، هل استطاعوا معه صبرا ، وأطاعوا لتلبيته « 13 » أمرا ؟ أو ضعف احتمالهم ، وقوي في مفارقة النفوس اعتمالهم ؟ ويا ليت شعري إذ أفادوا الماء طهارة زائدة بغسل جلاله ! هل حنّطوه في غير ثنائه أو كفّنوه في غير خلاله ؟ ويا ليت شعري إذا استقلّ به نعشه لأشرف ، ترفرف عليه الملائكة ويظلّله الرّفرف ! هل رأوا قبله حمل « 14 » الأطواد ، على الأعواد ؟ وسير الكواكب ، في مثل تلك المواكب ؟ فيأنسوا بالإلف ، ويرفعوا منكم الطّرف ، ويدعوا لفيض من أثر ذلك الظّرف ؟ ويا ليت شعري إذ ودّعوا « 15 » درّة الوجود ، صدفة اللّحد المجود ، لم آثروا الثّرى على نفوسهم ، ورضوا الأرض مغربا
هامش
( 1 ) في الأصل : « مستفضها » والتصويب من المصدر السابق . ( 2 ) في المصدر السابق : « وبدمعي » . ( 3 ) في المصدر السابق : « ولفقت » . ( 4 ) في المصدر السابق : « شجو لا تتعاطاه » . ( 5 ) في المصدر السابق : « اليمّ » . ( 6 ) في المصدر السابق : « لقى أينما شاء الترح » . ( 7 ) في الذيل والتكملة : « أنا أبكي » . ( 8 ) في المصدر السابق : « كانت تتفجّر » . ( 9 ) في المصدر السابق : « أو جاف » . ( 10 ) في المصدر السابق : « تنصدع » . ( 11 ) في المصدر السابق : « العقلاء » . ( 12 ) في المصدر السابق : « لشدّ » . ( 13 ) في المصدر السابق : « لتثبيته » . ( 14 ) في الأصل : « حملة الأطوار » ، والتصويب من المصدر السابق . ( 15 ) في المصدر السابق : « أودعوا » .
الإحاطة في أخبار غرناطة — صفحة 251 | لسان الدين ابن الخطيب