تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إثارة الترغيب والتشويق ( ويليه زيارة بيت المقدس لابن تيمية ) — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
فيها نور يلتهب من نور الجنة ، ونزل معه الركن وهو يومئذ ياقوته بيضاء من ربض الجنة ، وقيل : من رياض الجنة ، وكان كرسيا لآدم - عليه السلام - . فلما صار آدم بمكة حرسها اللّه - تعالى - وحرس له تلك الخيمة بالملائكة ؛ كانوا يحرسونها ويزودون عنها ساكن الأرض - وسكانها يومئذ الجن والشياطين - فلا ينبغي لهم أن ينظروا إلى شئ من الجنة ؛ لأن من نظر إلى شئ من الجنة وجبت له ، والأرض يومئذ طاهرة نقية لم تتنجس ، ولم تسفك فيها الدماء ، ولم تعمل فيها الخطايا ؛ فلذلك جعلها اللّه تعالى مسكنا للملائكة ، وجعلهم فيها كما كانوا في السماء يسبحون الليل والنهار لا يفترون ، وكان وقوفهم على أعلام الحرم صفا واحدا مستدبرين بالحرم ، كل الحلّ من خلفهم والحرم كله من أمامهم ، فلا يجوزهم جنّىّ ولا شيطان ، ومن أجل مقام الملائكة حرم الحرم حتى اليوم ، ووضعت أعلامه حيث كان مقام الملائكة . وحرّم اللّه - تعالى - على حواء دخول الحرم والنظر إلى خيمة آدم ، من أجل خطيئتها التي أخطأتها في الجنة ؛ فلم تنظر إلى شئ من ذلك حتى قبضت ، وأن آدم - عليه السلام كان إذا أراد لقاءها ليلمّ بها للولد خرج من الحرم كله حتى يلقاها ، فلم تزل خيمة آدم - عليه السلام - مكانها حتى قبض اللّه - تعالى - آدم - عليه السلام - ورفعها اللّه - تعالى - إلى السماء . ثم بنى بنو آدم بها من بعدها مكانها بيتا بالطين والحجارة ، فلم يزل معمورا يعمرونه ومن بعدهم حتى كان زمن نوح - عليه السلام - فنسفه الغرق وخفى مكانه ؛ فلما بعث اللّه - عز وجل - إبراهيم خليله - عليه السلام - طلب الأساس ، فلما وصل إليه ظلل اللّه له مكان البيت بغمامة ، فكانت حفاف البيت الأول ، ثم لم تزل راكدة على حفافه تظلل إبراهيم وتهديه مكان القواعد ، حتى رفع إبراهيم القواعد قدر قامته ، ثم انكشفت الغمامة ؛ فذلك قول اللّه تعالى :
وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ
. أي : الغمامة التي ركدت على الحفاف لتهديه مكان القواعد ، فلم يزل بحمد اللّه منذ رفعه اللّه - تعالى - معمورا « 1 » .
هامش
( 1 ) أخرجه : الأزرقي في أخبار مكة 1 / 51 - 52 ، سبل الهدى والرشاد 1 / 171 ، 172 .