تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف الورى بأخبار أم القرى — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
الأموال إلا بواحدة من ثلاث : إن قلت أجمعها لولدي فقد أراك اللّه عز وجل عبرا في الطفل الصغير يسقط من بطن أمه وماله على الأرض مال - وما من مال إلا ودونه يد شحيحة تحويه - فما يزال اللّه يلطف بذلك الطفل حتى يعظّم رغبة الناس فيه ، ولست بالذي يعطى ، بل اللّه يعطى من يشاء ما يشاء ، وإن قلت أجمع المال ليشتد سلطاني . فقد أراك اللّه عز وجل عبرا فيمن كان قبلك ؛ ما أغنى عنهم ما جمعوا من الذهب والفضة ، وما أعدوا من السلاح والكراع ، وما ضرك وولد أبيك ما كنتم فيه من الضعف حين أراد اللّه عز وجل بكم ما أراد ، وإن قلت أجمع المال لطلب غاية هي أجسم من الغاية التي أنت فيها ، فو اللّه ما فوق ما أنت فيه إلا منزلة لا تدرك إلا بالعمل الصالح . يا أمير المؤمنين هل تعاقب من عصاك من رعيتك بأشد من القتل ؟ قال : لا . قال : فكيف تصنع مع الملك الذي خولك ما أنت فيه من ملك الدنيا ! ! وهو لا يعاقب من عصاه بالقتل ، ولكن يعاقب من عصاه بالخلود في العذاب الأليم ، وهو الذي يرى منك ما عقد عليه قلبك وأقرّته جوارحك ، فما تقول إذا انتزع ملك الدنيا من يديك ودعاك إلى الحساب ؟ هل يغنى عنك ما كنت فيه شيئا ؟ فبكى المنصور بكاء شديدا حتى ارتفع صوته ، ثم قال : ليتني لم أخلق ولم أك شيئا . ثم قال : كيف احتيالى فيما خوّلت ، ولم أر من الناس إلا خائنا ؟ قال : يا أمير المؤمنين عليك بالأئمة الأعلام الراشدين . قال : وأين هم ؟ / قال : العلماء . قال : قد فرّوا منى .
إتحاف الورى بأخبار أم القرى — صفحة 183 | عمر بن محمد ابن فهد / فهيم محمد شلتوت