وليس لعمران البلاد وخصبها * وجرّ انتصاب الرّفع للعيش بالخفض
سوى أمل في الأمن ينمو غراسه * وأعمال برّ لا تؤول إلى الدّحض
وهل أمل أم هلّ أمان وكلّنا * يغلّب حفظ النّفس في الحبّ والبعض
فيأخذ من هذا لهذا مرجّحا * ولا وجه للتّرجيح غير الهوي المحض
ويجعل ذا مستهترا في مكان ذا * وهذا إلى إخلا المكانين قد يفضي
ذا خليليّ إنّ الحقّ يعلو بناؤه * وليس بناء الحقّ يوما بمنقضّ
[ 33 ] وفي الأخذ والإعطاء بالحقّ معقل * لتأمين ذي خوف وبسطة ذي قبض
وما الحقّ إلّا في اتّباع شريعة * مطهّرة جاءت بحكم لها مرضي
يروح لها المقضي عليه مسلّما * بلا حرج في النّفس ممّا به تقضي
وفي حسن أخذ بالمداراة رغّبت * وحضّت على تهذيبنا أيّما حضّ
أمان وإيمان نتيجة هديها * فعضّ عليها جاهدا أيّما عضّ
وليس مرد الشّرع غير استقامة * يكون عليها الحقّ في العالم الأرضي
يقول استقم كما أمرت وإن لو اس * تقاموا لأسقيناهم غير ذي برض
خليليّ إنّ الاستقامة منهج * قويم لحفظ النّفس والمال والعرض
فثابر عليها واعيا نصح حازم * عليم بأسرار العزائم والنقض
هدانا من أقوم المسالك مسلكا * لدى السّبق يكفي في مداها عن الرّكض
كتاب لخير الدّين جاء محرّرا * أتنا من التّحرير بالنّفل والفرض
دعانا إلى حرّية عزّ نيلها * ومن دونها قلب السّماء على الأرض
ولكن عساها أن تروض صعابها * سياسة رحب الصّدر ذي أدب غضّ
خبير بأدواء الأمور وطبّها * فلا نكس مهما جسّ منها على نبض
فيا فخر دنيانا ويا خير ديننا * ويا ذخر من يمنى من الدّهر بالدّحض
كتابك أجناني ثمارا عرضتها * بأوّل شعر قد أجدت له عرضي
أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك — صفحة 876
مساهمون: خير الدين التونسي
ص٨٧٦