ووقفوا عند حدودها المحدودة * صلاة وسلاما دائمين نجدهما من الأعمال المقبولة لا المردوده .
وبعد فإنّ من أجل العلوم * لا سيّما في هذا الوقت الصعب المذموم * علم السياسة الشرعية * المنوط بقواعد الشريعة الزكيّة وأصولها المرعيّة * وذلك لما آل إليه أمر هذا الزمان * من اختصاص شؤون الحروب بالأفكار والأذهان * حتّى انّ ما يرى من مخترع الآلات * إنّما المقصد به إرهاب الضدّ فهو إذا ضرب من السياسات * فلذلك لا يرى مستعملا فيما وضع له إلّا قليلا * بتقصير أحد الضدّين في سياسته فيوجد على نفسه سبيلا * وان من أحفل ما صنّف فيه ، ورمقه بعين الرضى الخامل والنبيه . كتاب أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك * تأليف جناب فخر الوزراء ذي الرأي الرصين * أمير الأمراء سيّدي خير الدّين .
فإنّه كتاب أبان فيه مؤلّفه عن باع في السياسة مديد * ورأي بذّ به جمع الآراء وهو فريد * حيث نهج فيه لسياسة الوقت الصعبة طريقا ، يأمن السالك به من المخاوف وان لم يصحب رفيقا * وذلك بمراعاة حال الوقت من غير خروج عن حدود الشريعة * وما تقتضيه أصولها ولا تنافيه فروعها البديعة وشرح فيه حال الأجنبي وما له من التراتيب والسير * التي أنتجت له الطوة المشاهدة والظفر * حتّى ان الناظر فيه * المتأمّل فيما يحويه * كأنّه يشاهد على [ 23 ] التفصيل حال الغير * بدون ضرب في الأرض ولا سيره * كلّ ذلك ليتنبّه من كان من أولى الأبصار بأحوال الوقت جاهلا * ويتبصّر في الطرق التي بها على التدريج نبّه من كان خاملا * عسى أن تجتمع للإسلام كلّمته * فتعود إليه شوكته وسطوته .
هذا إلى ما ضمّنه من تعريف الأجانب بحال شريعتنا * المبرأة ممّا كانوا ينسبونه إليها من سوء سيرتنا * ولا شكّ أنّ هذا الاعتقاد ما دام مركوزا في أذهانهم * يحملهم على اهتضامها والمبالغة في صدّ من يريد الدخول فيها من أهل أديانهم .
أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك — صفحة 861
مساهمون: خير الدين التونسي
ص٨٦١