تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
اضطرّ إلى التشبّث بمن يرجو به وقايتهما كائنا من كان ، وإن لم يكن في أصل فطرته مجبولا على الخيانة . ولا يخفى أنّ ذلك ممّا يضرّ بالدّولة [ 94 ] والمملكة بخلاف ما إذا كان آمنا على نفسه وعرضه فإنّه لا يحيد عن طريق الصّدق والاستقامة وصرف الهمّة إلى حسن الخدمة لدولته وملّته . وأمّا المال فإنّ من فقد الأمن عليه لا يتأتّى له القيام بحقوق دولته إذ لا يخلو دائما من شغل بال * واضطراب حال * بخلاف ما إذا كان آمنا على ماله فإنّه يشغل نفسه بما يعنيه في دينه ودنياه وينظر في توسيع دائرة معارفه وعيشه وبذلك يتمكّن من قلبه حبّ الوطن « 32 » وتشتدّ غيرته عليه وعلى دولته ويكون سعيه على حسب ذلك . وأمّا تعيين الأداء فالمرجع فيه أنّ كلّ دولة تحتاج في حفظ ممالكها إلى القوّة العسكريّة كما تحتاج في ضبط تصرّفاتها إلى مصاريف لازمة فلا بدّ لها من مبلغ وافر من المال بحسب احتياجها وإنّما يتحصّل ذلك بما يضرب على أتباع تلك الدّولة فلزم أن يوضع للأداء المشار إليه طريقة مستحسنه وذلك أنّ الاستبداد « 33 » وإن بقيت معه ممالكنا المحروسة سالمة والحمد للّه على ذلك لكن ظهرت آثاره من الاختلال والخراب وذلك لأنّ جعل زمام مصالح المملكة السياسيّة وأمورها الماليّة بيد شخص واحد موكولة إلى اختياره بل لا مانع أن يقال موكولة إلى قهره وجبره يتسبّب عنه ما ذكر خصوصا إذا لم يكن ذلك الشّخص من أهل الخير * فإنّه يؤثر منفعته على منفعة الغير * وتكون تصرّفاته مبنيّة على الظّلم والضّير * فوجب لذلك أن نبادر بترتيب معيار مضبوط يعتبر
هامش
( 32 ) حبّ الوطن : إنّ مصطلح وطن في أقوم المسالك هو بمعنيين اثنين : المعنى الأوّل هو التّقسيم الجغرافي الإداري : أوطان قضاة الذي يأتي في المرتبة الثّالثة والأخيرة بعد الإيالات وأعمال الألوية . وأمّا المعنى الثّاني فهو المتعارف الآن والذي اشتقّت منه الوطنيّة . وتجدر الإشارة إلى أنّ جريدة الرّائد التونسي التي كان لخير الدين ضلع كبير جدّا في تأسيسها صدرت في 1860 موشّحة في صفحتها الأولى بهذا الأثر المشهور : « حبّ الوطن من الإيمان » . أنظر : أحمد عبد السّلام : مواقف إصلاحية في تونس قبل الحماية » ، « في الوطنيّة وحب الوطن » ، ص ص 161 - 174 . ( 33 ) الاستبداد : مصطلح خلدونيّ يعني « الملك الفرديّ » أحمد عبد السلام ، دراسات . . . ، ص ص 47 - 79 .