تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك — صفحة 228

مساهمون:

ص٢٢٨
القصوى من القوّة والمكانة ورفاهيّة الرّعايا « 27 » وعمارة المدن والقرى إلّا أنّها منذ مائة وخمسين سنة تناقصت قوّتها * ومعمورية ممالكها * وأخذت في التأخّر والضّعف وذلك لغوائل متعاقبة * وأسباب متنوّعة نشأ منها تجاوز الحدود الشّرعيّة * والقوانين المرعيّة * ولا يخفى أنّ الممالك التي لا تنسج إدارتها على منوال القوانين الشّرعية لا تدوم استقامتها فلذلك لم تزل أفكارنا منذ جلوسنا على سرير الملك مصروفة إلى تدبير وسائل عمارة الممالك ورفاهيّة الأهالي « 28 » ممّا يحصل به المطلوب في مدّة يسيرة بعون اللّه تعالى نظرا إلى حسن الموقع الجغرافي المحتوي على ممالك دولتنا العليّة ذات الأراضي « 29 » الخصبة والأهالي ذوي الاستعداد وتمام القابليّة إلى أن رأينا من المهمّ وضع قوانين « 30 » جديدة مؤسّسة على القواعد الشّرعيّة المشيّدة واعتمادنا في وضع ذلك على العناية الرّبانية متوسّلين بحرمة سيّد البريّة صلّى اللّه عليه وسلّم ومدار القوانين المشار إليها على وجوب حفظ النّفس والعرض والمال وعلى بيان المرجع في تعيين الأداء وجلب العساكر اللّازمة . أمّا وجوب حفظ النّفس والعرض فلكونهما أعزّ الأمور الدّنيويّة « 31 » فإذا خشي الإنسان عليهما
هامش
( 27 ) الرعايا : ج . رعيّة وهو مصطلح خلدونيّ سرعان ما يعوّضه خير الدّين بالأهالي . أنظر برنار لويس ، نفس المرجع ، 102 . ( 28 ) الأهالي : يكون من المفيد إقحام هذا المصطلح في دراسة معمّقة للمعجم اللّغوي عند المصلحين العرب والمسلمين في القرن التّاسع عشر . ( 29 ) الأراضي : تجدر الملاحظة أنّ خير الدّين لم يكن يعزو أساس التّقدّم إلى المناخ أو الموقع الجغرافي بل إلى طبيعة نظام الحكم . ( 30 ) القوانين : ج . قانون . لعلّ ابن أبي الضياف كان أعمق لتحديده وتحاليله لهذا المصطلح : أنظر مقدّمة الإتحاف ( الحكم المقيّد بقانون ) متفرّقات . برنارد لويس ، المرجع نفسه ، 173 . ( 31 ) أعزّ الأمور الدّنيوية : تحديد هامّ جدّا لمصطلحي السّياسة والقانون عند المصلحين في القرن التّاسع عشر : فالسّياسة المثلى عندهم هي سياسة الأنبياء ثمّ سياسة الخلفاء الرّاشدين ثمّ تأتي في المرتبة الثّالثة والأخيرة السّياسة الملكية المتّصلة بالملك ومن سماتها : 1 ) الاعتراف بالواقع ، 2 ) الاقتصار على أمور الدّنيا والارتكاز على الشّوكة القاهرة ، 3 ) الاستعانة بآراء العلماء ، فهنالك تأكيد على ربط المثل العليا بالحياة اليوميّة ومبادئ الدّين بأعمال البشر المنقوصة . أنظر أحمد عبد السلام ، المرجع المذكور ، ص 17 وص 39 .