فمنهم من ناله مع الأوّل فتمّت له الحريّة المطلقة ، ومنهم من ناله بشروط معتبرة عند الملوك التي لم ترخّص لرعاياها ما تيسّر لغيرها إعطاؤه من الحقوق ، وذلك أنّ أحوال الممالك متفاوتة بتفاوت مقاصد رعاياها ، فمنهم من لا ينازع الملوك إلّا لقصد الحصول على ما يسوّغ لهم معارضة الدولة إن حادت عن سواء السبيل ، واستجلابها لما فيه صلاح المملكة ، وحينئذ تيسّر للملوك إعطاء تمام الحريّة لتوارد مقصد الراعي والرعيّة على المصلحة .
ومنهم من يظنّ به أنّ الباعث له على المناضلة فرط التعصّب والحميّة ، حيث تفترق الرعايا أحزابا ، كلّ حزب يروم السياسة التي يراها أصلح للمملكة في نظره ، كأن يرى البعض أن تكون الدولة جمهورية ، والبعض يختار أن يكون الملك في عائلة غير [ 76 ] التي يختارها الآخر ، فينشأ عن ذلك ظنّ الدولة أن معارضة الأحزاب لها وإن كانت بحسب الظاهر لإلجائها إلى طرق المصلحة ، لكن الغرض منها وراء ذلك . وبذلك الظنّ الناشئ عمّا ذكر استباح الملوك الامتناع من إعطاء تمام الحريّة الموصل لما أشير إليه .
هذا وإنّ من واجبات الممالك التي تنال الحريّة ولو خصوص الشخصية أن يقابلوا تلك النعمة بإظهار آثارها ، واستجناء ثمارها بتعاطي المعارف ، وأنواع الصناعات الراجعة إلى الأصول الأربعة : الفلاحة والتجارة والأعمال البدنية والفكرية .
وبهذه الأصول قوام السعادة الدنيوية المربيّة للهمّة الإنسانية وكمال الحريّة المؤسّسة على العدل وحسن نظام الجماعة ، حتّى يكون المحترف مثلا آمنا من اغتصاب شيء من نتائج حرفته ، أو تعطيله في بعض أحوال خدمته ، فما ينفع النّاس كون أرضهم خصبة كريمة المنابت ، إذا كان الباذر فيها لا يتحقّق حصاد ما زرع ومن الذي يقدم حينئذ على ازدراعها .
ولضعف أمل الناس في كثير من أراضي آسيا وإفريقيا تجد أخصب مزارعها بورا معطّلة ، ولا شكّ أنّ العدوان على الأموال يقطع الآمال ، وبقدر انقطاع الآمال تنقطع الأعمال إلى أن يعمّ الاختلال المفضي إلى الاضمحلال .
أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك — صفحة 193
مساهمون: خير الدين التونسي
ص١٩٣