وبالجملة فإسناد الشيء إلى عهدة متمنّي زواله من أقوى موجبات اختلاله واضمحلاله .
40 - الشبهة الرابعة :
وأمّا الشبهة الرابعة وهي اقتضاء التنظيمات لمزيد الضرائب على المملكة ، فجوابها أنّ هذا القائل المسكين لو علم ما ينشأ عن حالة الاستبداد وحالة التقيّد بالتنظيمات ، لما صدرت منه هذه القولة الوهمية المبنية على عكس القضيّة ، فإنّ حالة الاستبداد هي التي تقتضي كثرة الضرائب « 124 » ، إذ يؤخذ فيها اللازم وغير اللازم ليصرف فيما هو في الغالب غير لازم ، بخلاف حالة التقيّد فإنّها بضبط الدخل وصرفه في خصوص الأمور اللازمة لا تكلّف فيها أهل المملكة إلّا بضرائب تسمح بها نفوسهم ، حيث يرون لزومها وصرفها في مصالح وطنهم .
فإذا قابلنا ما يلزم صرفه على إجراء التنظيمات ، بما ينقص بها من المصاريف والخطط غير اللازمة ، التي لم تكن محدودة قبل التنظيمات بعدد ولا ضابط ، مع ما يرتفع بها من المظالم التي لا تقف بدونها عند حدّ لم يبق للمنصف شكّ في أن التنظيمات - على فرض كثرة خططها - من أقوى أسباب الاقتصاد والتوفير ، لا سيّما والمباشرون لاستخلاص المجابي متقيّدون بالقوانين أيضا .
فشتّان بين حالة المستبدّ الذي يأخذ ويعطي بمقتضى الشّهوة والاختيار ، وحالة المتقيّد بالقوانين الذي يفعل ما ذكر بمقتضاها متوقّعا تعقّب آراء كثيرة يخجل من تنزيلها إيّاه منزلة القاصر في تصرّفه ، فضلا عن الخائن فيه .
هامش
( 124 ) كثرة الضرائب : يعتبر الاتحاف لابن أبي الضياف المرجع الأوّل لدراسة علمية ونقدية لكثرة الضرائب بالايالة التونسية في القرن التاسع عشر خاصّة . ولعلّ أشمل دراسة وأعمقها في الغرض وأحدثها أيضا هي دراسة : توفيق البشروش :Le Saint et le Prince en Tunisie( القسم الثاني ، الصفحات 270 - 433 ) .