جواز أن تكون تصرّفات المقدّم خالية من مراعاة مصلحة المقدّم عليه ؟
وهل تتيسّر تلك المراعاة بدون توقّع احتساب مؤسّس على الشرع ؟
38 - الشبهة الثالثة :
وأمّا الشبهة الثالثة فجوابها أنّ التطويل الذي يمكن عروضه في فصل النوازل يرجع إلى قسمين ، لأنّه إمّا أن يكون ناشئا عن صعوبة تصوّر النازلة وتعيين ما ينسبق عليها من النصوص المتجاذبة لها ، أو يكون ناشئا عن قصور المتوظّفين أو تقصيرهم .
أ ) أمّا القسم الأوّل فلا يتشكّى منه إلّا الجاهل أو المتجاهل ، وذلك أن إعطاء النوازل حقّها من التأمّل حتّى يتّضح عند الحاكم وجه الحكم ، يستدعي فسحة ضرورية لفهمها على الوجه المطلوب ، وتلك الفسحة المتفاوتة بتفاوت النوازل في التّشعب من لوازم البشرية ، في حقّ كلّ من الحاكم والمحكوم عليه ، إذ الحكم سواء كان مبنيا على القواعد الشرعية أو القوانين العقلية لا يكون حكما معتدّا به إلّا إذا كان مسبوقا بأخذ المحكوم عليه مهلة لتحرير حججه التي يدافع بها عن نفسه ، وأخذ الحاكم مثلها لإمعان النظر فيها ، وتعيين ما ينطبق من الأصول عليها ، فالحاكم إذا نقّص من إحدى المهلتين شيئا فقد ظلم المحكوم عليه ونفسه .
وحيث كان التطويل المشار إليه طبيعيا للنوازل ، وممّا تعاضد على لزومه الشرع والعقل ، يسوغ لنا أن نقول إنه لا منشأ للقدح به في التنظيمات إلا إرادة تنفير الأهالي منها ، بتحسين ما تعوّدوه من حكّامهم السياسيين الذين كثيرا ما ينشر لديهم من النوازل ما لو نشر لدى أحذق القضاة لاحتاج في تصوّره إلى عدّة أيّام ، فيبادرون إلى فصلها في عدّة دقائق بحكم لا يتعقّب ، بل لو فرض الترخيص في تعقّبه لما أمكن ذلك ، [ 46 ] حيث لم يكن الحكم مسجّلا بظهير لأنّ التعقّب يسدعي استناد الحكم المتعقّب إلى شيء من الأدلّة يمكن اطلاع