تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
المتعقّب عليه ، بحيث يجد محلّا للتخطئة في تنزيل الحكم أو نحو ذلك ، إذا كان الحكم مسجّلا . وما يصدر من هؤلاء حكم شفاهي غير معلّل باستناده إلى شيء في الخارج ، فهو لا يخلو إمّا أن يكون أمرا اتّفاقيا بحسب ما يسنح لأحدهم في ذلك الوقت ، ولذلك ترى كثيرا من النّوازل متّفقة في المعنى وأحكامها مختلفة ، أو مستندا إلى دليل لا يتجاوز صدر ذلك الحاكم ، فلا يمكن الاطّلاع عليه . وفي الحالتين لا يمكن التعقيب . ثمّ إنّا لا ننكر أن يقع في ابتداء العمل بالتنظيمات شيء من التطويل زائد على المقدار الطبيعي ، ناشئ عن عدم التّعوّد بها والتّمرّن عليها ، لكن نرى الخطب في ذلك سهلا ، لأنّه ممّا يزول بإعانة اللّه في أقرب وقت ، عند حصول ملكة التجريب وتخفيف أعمال الحكّام في الأحكام الخفيفة ارتكابا لأخفّ الضررين ، وتحريض الدولة سائر متوظّفي السياسة على المبادرة بإتمام مأموريتهم بجلب المدّعى عليه ، ونحو ذلك ممّا تتوقّف عليه الأحكام حتّى لا يبقى من أسباب التطويل إلّا ما يستدعيه حال النازلة . على أنّا نقول - تنازلا مع هؤلاء المنفّرين - إن الغرض من التنظيمات ليس محصورا في فصل النوازل الشخصية على وجه الإنصاف المأمول منها ، بل هناك مصالح أخرى من أهمّها ضبط كلّيات السياسة القابض لأيدي الولاة عن الجور ، فأين مضرّة التطويل في النوازل الجزئية من مضرّة إطلاق أيدي أولئك الولاة في التصرّف في الأبدان والأعراض والأموال ؟ فهذه الشّبهة على فرض نهوضها لا تنتج إلّا تعطيل مجالس النوازل الشخصية . أمّا ضبط أصول السياسة الذي هو أساس خير المملكة فلا نظنّ دليلا ينهض على تعطيله بوجه من الوجوه . ب ) وأمّا القسم الثاني فظاهر أنّه لا يقدح به في حسن [ 47 ] التنظيمات في نفسها ، وإنّما يتوجّه التشكّي من مضرّته على الدول حيث لم تمعن النظر في أحوال المتوظّفين وتمتحنهم بمزيد المراقبة والتجربة .
أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك — صفحة 153 | خير الدين التونسي / المنصف الشنوفي