تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
الإسلام من الأوروباويين وغيرهم ما كان للأمّة من التقدّم في المعارف وغيرها ، وقت نفوذ الشريعة في أحوالها ودخول الولاة تحت قيودها ، وأن الشريعة لا تنافي تأسيس التنظيمات السياسية المقوّية لأسباب التمدّن ونموّ العمران ، كما يعتقده الكثير ممّن ذكرنا ، حتّى صاروا يدرجون ذلك في صحف أخبارهم ومستحدثات تآليفهم : ولا سبب لذلك - يمكن اعتذارهم به عن سريان ذلك لاعتقادهم - إلّا ما يشاهدونه في ممالك الإسلام من اختلاف التصرّفات [ 50 ] والأحكام ، وما نشأ عنه من سوء حال الرعايا . وهذا ونحوه من مضارّ تقصير الأمراء في حماية الشريعة ، واستبدادهم بالتصرّف بمقتضى شهواتهم ، مع إغفال العلماء القيام بما أهّلهم اللّه له ، بإعراضهم عن مقتضيات أحوال الوقت - كما أشير إليه سابقا - ولا يخفى أن البقاء على هذه الحالة ممّا يعظم خطره ، وتخشى عواقبه . سمعت من بعض أعيان أوروبا ما معناه : « إنّ التمدّن الأوروباوي تدفّق سيله في الأرض ، فلا يعارضه شيء إلا استأصلته قوّة تيّاره المتتابع ، فيخشى على الممالك المجاورة لأوروبا من ذلك التيّار إلّا إذا حذوه وجروا مجراه في التنظيمات الدنيوية ، فيمكن نجاتهم من الغرق » . وهذا التمثيل المحزن لمحبّ الوطن ممّا يصدّقه العيان والتجربة ، فإنّ المجاورة لها من التأثير بالطبع ما يشتدّ بكثرة المخالطة الناشئة عن كثرة نتائج الصناعات ، بحيث تلجئ لإخراجها والانتفاع بأثمانها . وهو سبب ثروتهم كما تقدّم .

42 - رجوع إلى التمدّن الأوروبي :

ولنقتصر على هذا المقدار من الإشارة إلى أسباب التقدّم والتأخّر في الأمّة الإسلامية ، ونرجع إلى ذكر أدوار التمدّن الأوروباوي من أيّام الإمبراطور شارلمان إلى هذا التاريخ ، على وجه إجمالي يقتدر به على الإحاطة بأنواع