وأمّا بقيّة الشبه فلو أردنا الاكتفاء في ردّها بما تقدّم لكفى أيضا ، لكن رأينا أن نزيده إيضاحا وبيانا فنقول :
37 - الشبهة الثانية :
أمّا الشبهة الثانية فجوابها أنّ عامّة غيرنا ، الذين بلغوا بالتنظيمات غاية التمدّن ، كانوا في مبدأ الأمر أسوأ حالا من عامّتنا وإن كنّا نسلّم أن معارفنا الدنيوية الآن أقلّ ممّا أنتجته التنظيمات لبعض الأمم الأوروباوية ، لكن عند التأمّل يثبت عندنا أنّ الأمّة الإسلامية بمقتضى ما شهد به المنصفون من رجحان عقول أواسط عامّتها على عقول غيرها من الأمم ، تقتدر أن تكتسب بما بقي لها من تمدّنها الأصلي ، وبعاداتها التي لم تزل مأثورة لها عن أسلافها ، ما يستقيم به حالها ويتّسع به في التمدّن مجالها . ويكون سيرها في ذلك المجال أسرع من غيرها كائنا من كان ، إذا أذكيت حرّيتها الكامنة بتنظيمات مضبوطة تسهّل لها التداخل في أمور السياسة ، وذلك أن الحريّة والهمّة الإنسانية اللتين هما منشأ كلّ صنع غريب غريزتان في أهل الإسلام مستمدّتان ممّا تكسبه شريعتهم من فنون التهذيب ، بخلاف غيرهم ممّن لم تحصل لهم الغريزتان المذكورتان إلّا بإجراء التنظيمات في بلدانهم .
نعم من الواجب على مؤسّس أصول الحريّة السياسية اعتبار حال السكّان ومقدار تقدّمهم في المعارف ليعلم بذلك متى يسوغ إعطاء الحرّية التّامة ومتى لا يسوغ ، ومتى يعمّم المقدار المعطى في سائر السكّان ، ومتى يخصّ بمن قامت به شروط معتبرة ، ثمّ [ 45 ] توسيع دائرتها بحسب نموّ أسباب التمدّن شيئا فشيئا .
ثمّ لو سلّم عدم القابلية للتنظيمات ، وأنّ الأمّة كما يزعمه أولئك القادحون بمثابة الصبي غير الرشيد الذي يلزم التقديم عليه ، فهل ينهض لهم دليل على