ودرء المفاسد ، إن قدر عليهما ، وإن لم يقدر ، فبالامتناع من الموافقة على ما يضرّ ، فإن لم يفعل كانت موافقته مع العلم بما ينشأ عنها من المضرّة خيانة « 44 » .
14 - استشهاد بالمنقول والمعقول على أنّ مشاركة أهل الحلّ والعقد لا تضيّق من سعة تصرّف الملك :
فبان بهذا أن الممالك التي لا يكون لإدارتها قوانين ضابطة محفوظة برعاية أهل الحلّ والعقد ، خيرها وشرّها منحصر في ذات الملك ، وبحسب اقتداره واستقامته يكون مبلغ نجاحها . ويشهد لذلك حالة الممالك الأوروباوية في القرون الماضية ، قبل تأسيس القوانين ، فقد كان لهم في ذلك الوقت من الوزراء من لهم شهرة إلى الآن بتمام المعرفة والمروءة ومع ذلك ، لم يتيسّر لهم حسم موادّ الخلل المنبعث من صورتي استبداد الملوك المشار إليهما :
ولا يقال « إنّ مشاركة أهل الحلّ والعقد للأمراء في كلّيات السياسة تضييق لسعة نشر الإمام وتصرّفه العامّ » لأنّا نقول : هذا التوهّم يندفع بمطالعة الأحكام السلطانية للماوردي « 45 » فإنّه قال فيه عند بيان وزارة التفويض : « هي أن يستوزر الإمام من يفوّض إليه تدبير الأمور برأيه ، وإمضاءها على اجتهاده . وليس
هامش
( 44 ) يلاحظ في هذه الفقرة ( 13 ) أنّ خير الدين يشير إلى تجربته الخاصّة بالمملكة التونسية فغلب استعماله لهذه المفردات : المملكة - الوطن - الملك - بينما غلب استعماله في أوّل المقدّمة لهذه المفردات : الملّة - الأمّة فهو لم يستطع التخلّص من « قوميته » أو « وطنيته » التونسية رغم محاولته وضع القضيّة في إطار الخلافة العثمانية . أنظر أيضا أسفله إشاراته تلميحا غالبا إلى ما يجري بالإيالة التونسية عند وصفه لرحلاته إلى أوروبا ( الكتاب الأول ) .
( 45 ) الماوردي : أبو الحسن علي بن محمّد ( م . 450 / 1058 ) ولد بالبصرة وتوفّي ببغداد سمّي أقضى القضاة في عهد القائم بأمر اللّه العبّاسي وكان يميل إلى مذهب المعتزلة ، من كتبه المطبوعة : الأحكام السلطانية والولايات الدينية وأدب الدنيا والدين الزركلي ، الإعلام ،V، 146 - 147 .