وإمّا أن يخالفهم ويأمر الذين من تحته من المتوظّفين بما تقتضيه مصلحة البلاد ، وحينئذ فمن أين له هذا الحقّ ؟ وبأيّ ظهير يستظهر على تلك المخالفة ؟
خصوصا إذا لم تكن هناك شريعة نافذة تحميه من تحزّب حسّاده الذين غاية أملهم إضراره ، وتعطيل تصرّفاته الحسنة ، المقلّلة لفوائدهم ، بكلّ وجه أمكنهم ، ولو بتنفيذ إذنه على غير مقصوده ، أو تأخيره عن الوقت المناسب ليظهر الخلل ويكثر الزلل ، أو بإخفاء جليل حسناته ، وإشهار حقير سيّآته لتغيير القلوب عليه .
ومن دعاء عليّ - رضي اللّه عنه : « اللّهم احفظني من عدوّ يرعاني ، إن رأى منّي حسنة دسّها ، وان رأى سيّئة أشهرها » .
ثمّ إذا خيّب اللّه آمالهم بنجاح سعي الوزير المشار إليه في إدارة المملكة رجعوا إلى سلوك طريق الوشاية به عند الملك ، بأن يقولوا : « إنّه استبدّ عليك ولم يبق لك من الملك غير الاسم » ، إلى غير ذلك من أنباء الفسّاق التي قد تروج على العاقل ، قبل التبيّن ، خصوصا عند الدول المشرقية .
فكيف يتيسّر للوزير والحالة ما ذكر أن يجري إدارة المملكة على مواقع المصلحة ، مخالفا بذلك من هو الخصم والحكم ، ولما في هاته الحالة الثانية من العوائق ، يضطرّ الوزير المذكور إمّا إلى اختيار الحالة الأولى بالمجاراة ، وسلوك طرق المداراة ، وعاقبة ذلك وخيمة لعوده بالمضرّة على الوطن والملك ، وعليه نفسه ، لأنّ استعذاب الموافقة على الشهوة في الحال الناشئ عنه خراب المملكة يستعقب مرارة الندامة في المآل . وإمّا إلى الاستعفاء من الخدمة بالمرّة ، وهو وإن لم يكن واجبا لحفظ ذاته ، فهو واجب للتخلّص ممّا يتوقّع من الموافقة على ما يؤول إلى خراب [ 15 ] المملكة ، الموجب لعقاب الخالق ، ولوم المخلوق ، إذ الإنسان ، ولو ساغ له المخاطرة بنفسه لمصلحة الوطن لا يسوغ له المخاطرة بديانته وهمّته ، وما يجب عليه من الطاعة للملك ، والمحبّة للوطن ، لا يحصلان إلّا ببذل الجهد في النصح بجلب المصالح ،
أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك — صفحة 111
مساهمون: خير الدين التونسي
ص١١١