تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك — صفحة 106

مساهمون:

ص١٠٦
ومن تصفّح الفصل الثالث من الكتاب الأوّل من مقدّمة ابن خلدون رأى أدلّة ناهضة على أنّ الظلم مؤذن بخراب العمران كيفما كان . وبما جبلت عليه النفوس البشرية كان إطلاق أيدي الملوك مجلبة للظلم على اختلاف أنواعه ، كما هو واقع اليوم في بعض ممالك الإسلام ، ووقع بممالك أوروبا في تلك القرون عند استبداد ملوكها بالتصرّف المطلق في عبيد اللّه من غير تقيّد بقانون عقلي لمنافاته لشهواتهم ، ولا شرعي لعدم وجوده في الديانة المسيحية المبنية على التبتّل والزهد في الدنيا ، كما تقدّم .

9 - أصول الشريعة الإسلامية : وجوب المشورة :

وما أشرف بعض ممالكهم على الاضمحلال وسلب الاستقلال إلا بسوء تصرّفهم الناشئ عن إطلاق أيديهم ، مع حسن سيرة مجاوريهم إذ ذاك من الأمّة الإسلامية ، الناتج عن تقيّد ولّاتهم بقوانين الشريعة المتعلّقة بالأمور الدينية والدنيوية التي من أصولها المحفوظة إخراج العبد عن داعية هواه ، وحماية حقوق العباد ، سواء كانوا من أهل الإسلام أو من غيرهم [ 11 ] ، واعتبار المصالح المناسبة للوقت والحال ، وتقديم درء المفاسد على جلب المصالح ، وارتكاب أخفّ الضررين اللازم أحدهما ، إلى غير ذلك . ومن أهمّ أصولها وجوب المشورة التي أمر اللّه بها رسوله المعصوم - صلّى اللّه عليه وسلّم - مع استغنائه عنها بالوحي الإلاهي وبما أودع اللّه فيه من الكمالات ، فما ذاك إلّا لحكمة أن تصير سنّة واجبة على الحكّام بعده . قال ابن العربي « 34 » : « المشاورة أصل في الدين وسنّة اللّه في العالمين وهي حقّ على عامّة الخليقة من الرسول إلى أقلّ الخلق » .
هامش
( 34 ) ابن العربي : أبو بكر محمّد بن عبد اللّه المعافري ، ( 468 - 543 / 1076 - 1148 ) ولد بإشبيلية وارتحل إلى المشرق حيث تتلمذ للغزالي ، كان محدّثا وقاضيا وأكثر تآليفه ضاعت . دائرة المعارف الإسلامية ، ط . 2 ،III، ص 729 .