تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأزهر في ألف عام — صفحة 313

مساهمون:

ص٣١٣
خروجه صلى اللّه عليه وسلّم للفتك به ، فإذا بعلي يخرج إليهم ، فعلموا أنهم باتوا يحرسون عليا . ولما علمت قريش بذلك ثارت ثائرتهم وأخذوا يقتصون الأثر ، وجعلوا لمن يأتي به حيا مائة من الإبل ، وهاجر صلى اللّه عليه وسلّم بإذن اللّه وفي رعايته وحفظه إلى أن بلغ المدينة ، ولما استقر بالمدينة أخذ ينشر دعوته ويبلغ رسالته إلى أن بلغ كل ما امر بتبليغه ، وبذلك تمت الشريعة ، وكمل النظام الذي وضعه العليم الحكيم . والشريعة التي بلغها سمو بالعقول عن التقليد ، واتباع القول بلا دليل ، وأمر بالنظر فيما بث اللّه في الآفاق من آيات . ونصب في الكون من دلائل تدفعها إلى الاذعان بوجود اللّه ، وبما له من صفات الكمال : من القدرة التامة والعلم المحيط والتفرد بالسلطان فيما عداه ، يمضي فيه حكمه وينفذ قضاؤه ، وعبادة وخضوع وتقرب وخشوع . شكرا لمن خلقهم ، وأسبغ عليهم النعم الظاهرة والباطنة ، وتهذيب نفوس ، وتطهير قلوب ، وبعد عن الآثام والذنوب ، وتنزه عن الصغائر ، وصدق في القول ، وإخلاص في العمل ، وأمر بالمعروف ، ونهي عن المنكر ، وشجاعة ونجدة ، وإعداد عدة لارهاب الأعداء ، ومساواة فكلهم عند اللّه سواء ، لا فرق بين عظيم وحقير وغني وفقير ، لا فضل لأحد على أحد إلا بتقوى اللّه والتقرب منه ، ومساعدة الضعفاء والمحتاجين ، وتعاون وتناصر ، وتواد وتراحم وتعاطف وطاعة اللّه ورسوله وأولي الأمر من المسلمين . إلى غير ذلك مما أمرت به الشريعة . وحثت عليه . ورغبت فيه . وقد أعد اللّه تعالى للذين يعملون الصالحات سعادة الدنيا والآخرة ، قال تعالى :
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ . وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ . وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً
وقال تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا
. وقد عملت الأمة بتلك الشريعة ، فآتت اعمالها الصالحة أكلها ، وأثمرت ثمرتها في بناء الأمة على أسس متينة ، وأخلاق عظيمة ، وربطت بينها برباط التعاون والمساواة والألفة والمحبة ، والدين والخلق ، فاتحدت بعد تفرق ،