الديني ، فخرج الرجال والشبان ولم يبق سوى الضعفاء والأطفال والنساء ، وجاد كل منهم بما يملك من دراهم ، وابتاعوا السلاح والذخيرة والخيام .
وهبط مكرم من القلعة إلى ساحل بولاق يحمل علما يسميه العامة « البيرق النبوي » ، والناس حوله ألوف مؤلفة ، وفي أيديهم السلاح الساذج من سيوف ومدى وهراوات ، ومعهم الطبول والزمور ، ووقفوا على غير نظام يشدون أزر جيش المماليك الذي كان يقاتل على الضفة الأخرى للنيل .
كان مكرم يحسب أن الأمراء المماليك من طراز بيبرس وقلاوون والناصر الذين صدوا جحافل التتار والصليبيين ، ولكن موقعة النيل بددت أحلامه ، فقد هزموا في ساعات معدودات ، مما جعله يؤمن بأن مماليك أيامه لا يحاكون في شيء المماليك الأول ، فهم جبناء ، عتاة ، ظالمون .
وعلى الرغم من أن مكرم لا دراية له بفنون الحرب ولا أساليب القتال ، إلا أنه شهد بعينيه فرار قوات المماليك ، وزحف القوات المغيرة على القاهرة ، واحتلال أطرافها ، وأبت عليه كرامته أن يقبل هذا الهوان ، فخرج إلى الشام وأقام في جنوبها يرقب الأحداث التي تجري في وطنه عن كثب ، فلما كان نابليون بونابرت في يافا حرص على أكرام من وجدهم من المصريين هناك . . وأكبر في عمر مكرم عاطفته المشبوبة ورأسه المرفوع ، وكرامته التي يذود عنها ، فيسر له سبيل العودة إلى وطنه .
وكانت القاهرة في غضون الفترة التي عاد فيها مكرم تغلى كالمرجل ، والثورة على الأبواب . كانت في حالة ثورة نفسية كامنة ، وكان تحرير الوطن من نير الأجنبي قبلة الجميع ، فلما شرع الزعيم يدعو أفراد الشعب إلى الخروج والجهاد ولقاء الغاصب المحتل ، أقبل الناس على تلبية دعوته ، فأقاموا المتاريس وحفروا الخنادق وتحصنوا في الجوامع ، وانشأوا معملا للبارود ، وجاءوا بالصناع والعمال ، واحتالوا في صنع آلات القتال من بنادق وذخائر ، وأشرف مكرم على جمع التبرعات لتمويل الحركة ، وأخيرا بدأ النضال عنيفا سافرا بين المحاصرين والمدافعين ، وشهد الفرنسيون ببسالة المصريين واقتحامهم المخاطر والأهوال ، ولكن المقاومة انتهت بتغلب
الأزهر في ألف عام — صفحة 161
مساهمون: محمد عبد المنعم خفاجي
ص١٦١