تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأزهر في ألف عام — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
العقلية بهذا التمرين قد نشطت بوجه ما ، ويكون لسانه قد تقوم واكتسب اللهجة العربية الفصحى . . وأظهر ما يبدو في هذا الأسلوب التعليمي أنه لا يبدأ بتعليم القواعد والتعاريف والكليات في اللغة إلا بعد أن يكون التلميذ قد تذوق هذه اللغة بنفسه ، وتكونت في عقله ملكة وذوق . وأغلب المتعلمين كانوا يقفون عند هذا الحد ، ويتخرجون في سن الثانية عشرة ، وبعضهم كان يخطو إلى المرحلة الثالثة ، يدرسون فيها علوم الدين من فقه وحديث وتوحيد الخ ، وفي الأحوال الاستثنائية كان بعض الأفراد يدرسون العلوم الطبيعية والرياضية . والمتخرج ما كان يحصل على شهادة يعترف بها رسميا ، وإنما كان يعتمد على مجهوده الشخصي وشهرته وكفاءته في إلزام الناس بالاعتراف بوجوده ومنزلته ، وكان لا يتصدر للتدريس إلا من مارس الفنون المتداولة بالأزهر ، وتلقاها من أفواه المشايخ ، وصار متأهلا للتصدر ، حلّالا للمشكلات ومعضلات المسائل ، فلا يحتاج لاستئذان إلا على جهة الأدب والبركة ، وإنما يعلم بعض المشايخ والطلبة فيحضرون درسه ، ويتراكمون عليه ، وهو يتأنق في الابتداء ويتهالك في طريق الإغراب والتوغل وقد يتعصب عليه بعض الحاضرين ويتعنت ، والبعض الآخر ينتصر له ، وإذا تلعثم في إجابته لسائل ربما أقاموه ومنعوه من التصدر ، وإذا عاند ربما ضربوه . ولم يكن للأزهر شيخ منذ أن أنشىء إلى القرن العاشر ، وإنما كان يتولاه الملوك والأمراء الذين كانوا يهتمون بشأنه ويكرمون أهله ، حتى إذا كان القرن الحادي عشر الهجري جعل للأزهر شيخ ، ومما يجمل ذكره أن شيخ الأزهر كان بمثابة شيخ الإسلام في دار الخلافة ، فكان يقوم بشؤون الأزهر ويرعى أمور أهله ويفصل في قضاياهم ويضبط مرتباتهم ، ويمثلهم لدى الحكومة ، ومنوط به إقامة شعائر الدين في أنحاء القطر قاطبة . وأول من تولى المشيخة - كما قاله الجبرتي - هو الإمام محمد بن
الأزهر في ألف عام — صفحة 129 | محمد عبد المنعم خفاجي