وقتل ذلك اليوم ما ينيف على أربعة آلاف نفس ، حتى سالت الدماء ، وتكدر بحر النيل ، وتعفن الهواء « 1 » لذلك ، فعاد السلطان إلى مخيمه ب « الجيزة » ، ونقل إليه من قبض من أعيان أمراء الجراكسة ، وأمر بضرب أعناقهم على ضوء المشاعل .
ففي صبيحة ذلك اليوم دوّن ديوانا ، ورتّب للعساكر والعطايا ، وعيّن أرباب المناصب ، فأرسل إليه الغزالي وكان قد هرب في الوقعة الأولى من « الريدانية » إلى جهة « الصالحية » ، فطلب الأمان والعفو عن ذنبه ، فلما علم السلطان أنه لم يحضر الواقعة التي داخل البلد غفر له ذنبه ، وطلبه فجاء تائبا مستغرفا ، فأنعم عليه ببلدة « شجاع » .
ثم أقام السلطان في محله إلى ثالث عشرى المحرم ، وارتحل وصعد إلى القلعة ، ثم إن طومان باي أرسل يطلب الأمان والعفو عما مضى ، فقبل السلطان منه ذلك ، واستمال خاطره ، وأرسل بجوابه وإجابته كيخية عسكر أناضولى مصطفى حلبى والقضاة الأربعة قضاة مصر ، وكتب إليه بالعهد والأمان معهم ، فلما وصلوا إليه منعه بعض المفسدين من الجراكسة وحرضوه على العصيان ، فقتل مصطفى حلبى المذكور والقضاة ، وأظهر عدم الانقياد ، واجتمع عنده بقية الجراكسة وطائفة من العربان ، وقصد العود إلى مصر ، وتعدى على المراكب ، ووصل إلى قريب حتى نزل ببركة « الجيش » ، فعيّن السلطان بعض الأمراء والعساكر بحربه ، فتوجهوا لقتاله ، وخرج السلطان أيضا بنفسه ، ونزل بالقرب من النيل ، فارتحل طومان باي من محله وهرب ، فتبعه العسكر منازل ، فعلم الأمراء أنه لا راحة لهم ما دام موجودا ، فتركوا أثقالهم وسعوا في طلبه ، فأدركوه بين « الإسكندرية » وبين « رشيد » ، فحصل حرب عظيم وقبض على جماعة ممن معه ، فهرب هو ، وتوجه في طلبه بعض الأمراء ، فأدركه في « البحيرة » ، فأحاط به وقتل جميع من معه ، فألقى طومان باي بنفسه في البحر ، فلما أشرف على الغرق طلب الأمان ،
هامش
( 1 ) في ( ج ) : الهوى .