ثم إنّ الناس تداعوا إلى السلم على أن يرى الفضل من القتلى التي فيهم أي الفريقين أفضل على الآخر ، فتواعدوا عكاظا ليتعادّوا القتلى ، وتعاقدوا وتواثقوا أن يتمّوا على ذلك وجعلوا بينهما موعدا يلتقون فيه لذلك ، فأبى وهب بن متعب ، وحالف على قومه وجعل لا يرضى بذلك حتى يدركوا ثأرهم ، فقال :
في ذلك أمية بن جدعان بن الأشكر :
المرء وهب وهب آل متعبة * مل الغواة وان يماطل يملل
يسعى يعوذها بجزل وقودها * وإذا تعايى صلح قومك فاعمل
وهي في شعره ، واندسّ وهب حتى مكرت هوازن بكنانة وهم على رأس الصلح ، فبعثت خيلا عليها سلمة بن شعل البكائي ، وخالد بن هوذة ، فيهم ناس من بني هلال ، ورئيسهم ربيعة بن أبي طبّان وناس من بني نصر عليهم مالك بن عوف ، فأغاروا على بني ليث بصحراء الغميم ، وهم غارون فقاتلوهم وجعل مالك يقاتل ويرتجز وهو أمرد يومئذ يقول : أمرد يبدي حلّه شيب اللحا .
وهو أول يوم ذكر فيه مالك بن عوف ، فقتلت بنو مدلج يومئذ عبيد بن عوف البكائي ، وسبيع بن أبي المؤمل من بني محارب ، ثم انهزمت بنو ليث ، فاستحرّ القتل ببني الملوّح بن يعمر ، فقتلوا منهم ثلاثين رجلا وساقوا نعما ، ثم أقبلوا فعرضت لهم خزاعة وطمعوا فيهم فقاتلوهم ، فلما رأوا أنه لا بدّ لهم منهم قالوا : عرضونا من غنيمتكم عراضة فأبوا فخلّوا سبيلهم .
ثم إن الناس تداعوا إلى الصلح ورهنوا رهانا بوفاء بديات من كان له الفضل في القتلى ، وتمّ الصلح ووضعت الحرب أوزارها « 1 » .
هامش
( 1 ) شفاء الغرام 2 / 93 - 96 ، واتحاف الورى 1 / 123 - 130 .