تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الآثار الباقية عن القرون الخالية — صفحة 432

مساهمون:

ص٤٣٢

2

ونقول انّ الهند ، قسمت الفلك على عدّة منازل القمر ، الّتى هي عندهم سبعة وعشرون منزلا ؛ فانقسم بمثل عدّتها ، وأصاب كلّ منزلة ثلاث عشرة درجة وربعا بالتقريب ؛ واستنبطوا الأحكام ، بحلول الكواكب في رباطاتها ، وهي المعروفة « بالجفور » ( 17 ) المفروضة لكلّ حال وحاجة على حدة ؛ وحكايتها تخرج إلى التطويل في القول ، بما لا يشبه الغرض ، وهي موجودة في كتب الاحكام معروفة بها .

3

وامّا العرب ، فقد قسموها بثمانية وعشرين قسما ، فأصاب كلّ منزل اثنتي عشرة درجة وخمسة أسداس بالتقريب ، ووقع في كلّ برج منزلتان وثلث ، قال القائل : « عدّتها لمن أراد عدّها / عشرون نجما وثمان بعدها ؛ تكون في البرج من المنازل / منزلتان بعد ثلث كامل ؛ لها حساب ولها أنواء / يدور لها الصّيف والشّتاء » . واستعملوا منها ، غير ما استعمله الهند ، إذ كان مقصودهم منها ، معرفة أحوال الهواء في الأزمنة ، وحوادث الجوّ الثابتة في فصول السنة . وكانوا قوم « 1 » أمّيّين ، لم يمكنهم معرفتها الّا بشئ يعاين ، فعلّموا عليها بالكواكب الثابتة ، الّتى اتّفقت فيها ؛ وجعلوا طلوعها في المشرق بالغداة ، بعد طلوع الفجر ، علما لحول الشمس بعضها ، إذ كانت - اعني - الكواكب غير زائلة عنها ، الّا بعد مضىّ قرون واحقاب ، ولم يكونوا ممّن يتنبّه لمثل ذلك .

4

ثمّ قرضوا اشعارا وانشئوا أسجاعا ، ودوّنوا فيها التأثير الطبيعىّ المتناوب ، الموافق لطلوع كلّ واحدة منها ، على ما وجدوه بالتجربة والامتحان ، ليسهل حفظها على الأمّيّين ؛ ويتمثّلون بها في أحوالهم ، مثل قول أحدهم : « إذا ما قارن القمر الثّريّا / لثالثة فقد ذهب الشّتاء » ؛ وذلك لانّ موضع الثريّا ، من عشر درج من برج الثور ، إلى خمس عشرة درجة منه بالتقريب ؛ وإذا قارنه القمر ليلة الثالث ، كان البعد بين الشمس وبينه ، أربعين درجة بالتقريب ؛ فيكون الشمس في أوائل الحمل ، وكقول الآخر : « إذا ما البدر تمّ مع الثّريّا / أتاك البرد أوّله الشّتاء » ؛ وذلك لانّ القمر ، إذا قارن الثريّا في الاستقبال ، كانت الشمس في النصف من العقرب ، وتلك الايّام أوائل البرد .

5

وكقول الآخر : « إذا ما قارن الدّبران يوما / لأربع عشرة قمر التّمام ؛ ترجف « 2 » الشتاء بكلّ ارض / فوارس مؤذيات باحتدام ؛ وحلق في السماء البدر حتّى / يقلّص ظلّ أعمدة الخيام ؛ وذلك في انتصاف الليل شطرا / ويصفوا الجوّ من كدر الغمام » . لانّ الشمس ، تكون حينئذ في العقرب
هامش
( 1 ) . داد / طز : أناسا . ( 2 ) . داد / طز : فقد حفّ .
الآثار الباقية عن القرون الخالية — صفحة 432 | أبو ريحان البيروني / پرويز اذكائى