وإقبال ، فيقول له الرومي : قم ، فيمضى وحده للمثول في الحضرة الإلهية ، وتطلب منه حور الجنة أن يبقى معها لحظة أو لحظتين ، لكنه يمضى في طريقه لا يلوى على شيء ، فهو لا يبغى غير وجه الحق .
والشاعر وهو يمضى وحده في نور التجليات لا زال منشغلا بأمته وبمشكلاتها ، فينطلق صوت صادر من أعماق العالم الأعلى يحدّثه بأن الأمة الإسلامية لا صلاح لها إلا بوحدة الفكر والعمل .
ثم يقع التجلي الإلهى ، فيعمّ النور كلّ الكون ، ويخّر الشاعر ثملا بالجلوة فاقدا النطق ، ويفيق على صوت قوى يأمره بالعودة إلى الأرض . وهنا تنتهى التجربة المعراجية .
وكان لابد للشاعر أن يعود لكي يدعو إلى طريق الحق وإلى الرقى الروحي ، فرأى أن يخص الشباب بدعوته ، فهم أمل الأمة ومستقبلها ، ومن ثم يوجه في نهاية منظومته خطابا إلى الجيل الجديد من شباب الأمة . والخطاب ينطوى على آراء تربوية قيّمة ، تناول فيها الشاعر بالتوضيح مفهوم التوحيد وآثاره ، وتحدث عن إفلاس المسلمين المعاصرين ، ووجّه انتقادات لاذعة إلى الشباب المسلم ، ثم انتقل إلى النصح ودعاهم إلى ربط القلب باللّه وحده ، وحذّرهم من أن يتسرب إلى نفوسهم اليأس من الدين لما يرونه في المسلمين المعاصرين من حقد ونفاق ، وأشار عليهم بصحبة رجال الحق . وهنا تنتهى المنظومة .
لا بد لنا من تعقيب مجمل على تجربة محمد إقبال ؛ إذ نلاحظ فيها أن المعراج الإسلامي قد تخلص في النهاية من كل شوب علق به في رحلته الطويلة عبر الزمن ، وعاد إلى استلهام مصدره النقّى الأول ، وينبوعه الطاهر الأسمى ، وهو المعراج النبوي .
فأثر المعراج النبوي واضح كل الوضوح في تجربة إقبال ، لقد فضّل إقبال الوعي النبوي على الوعي الصوفي في مقام المشاهدة ، ويتضح الفرق بين الاثنين من كلمة لأحد الصوفية المسلمين في الهند عن الوعي الصوفي ، قال فيها " صعد محمد النبي العربي إلى السماوات العلا ثم رجع إلى الأرض ، قسما بربى ، لو أنى بلغت هذا المقام ما عدت أبدا " .
ولكن صاحبنا تأسى بالنبي الكريم ، فعاد ليحدثنا عن تجربته الذاتية ، ويروى مشاعره أمام الحضرة العلوية ابتغاء تغيير هذا العالم .
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 708
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٧٠٨