الجلال الإلهى ، ولهذا كان اللام ملاصقا للألف ، لأن الجلال أعلى تجليات الذات الإلهية . والحرف الثالث ( اللام ) الثانية عبارة عن الجمال المطلق الساري في مظاهر الحق سبحانه وتعالى . والحرف الرابع هو ( الألف ) الساقطة في الكتابة ، ولكنه ثابت في النطق ، وهو ألف الكمال المستوعب الذي لا نهاية ولا غاية له . والحرف الخامس ( الهاء ) يشير عند الجيلى إلى هوية الحق ، واستدارة رأس الهاء إشارة إلى دوران رضى الوجود الحقي والهلقى على الإنسان 34 .
ولكن الصوفية وقد أدركوا خطورة التأويل وحساسيته ، ومنعوا أن يكون هذا التأويل مباحا لأي شخص ، بل هو موقوف على الخواص وكبار الأولياء . ولذا يحدد ابن الخطيب طريق الصوفية قائلا : إن الطرق المسلوكة إلى تجريد النفس وتصفيتها متعددة ، وأن طريقة الصوفية هي " تهذيب الأخلاق وتزكية النفس . . والسلوك بأسرار الحروف وإعانتها على التجريد " 35 .
وهكذا وضع الصوفية تحت مسألة الحروف الإطار العام لمذهبهم الكشفي الذي يقوم على المعرفة الخاصة الذوقية غير المتاحة لكل البشر ، والتي فيها يصل الإنسان إلى معرفة الأسرار الكون ، بل الإسرار الإلهية ذاتها . وقد جمعوا في هذه المسألة بين روافد عدة بعضها فلسفية وبعضها دينية قديمة ، وحاولوا أن يضموا هذه العناصر المعرفية معا وأن يقرأوا من خلالها : آيات القرآن الكريم وكانت قراءتهم ليس وفقا على كتاب اللّه ، بل قراءة تعدت إلى معرفة وقراءة كتاب الكون . فالعدد يمثل الروح ، والعالم يمثل الجسد . والحرف هو الذي يحدد للعدد المعنى الخارجي لكل كائن . فكان الحرف هو الجسد الذي يعبر عن العدد ، أو هو العالم متجسدا في مادة أو في حرف .
أ . د / منى أبو زيد
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 249
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٢٤٩