ويقول جعفر الخلدى ( ت 348 ه ) : " التصوف طرح النفس في العبودية والخروج من البشرية والنظر إلى الحق بالكلية " .
ويقول أبو الحسن الحصري ( ت 371 ه ) : " إذا وجد الصوفي ربه لم ينظر بعد ذلك إلى شئ سواه " 18 .
فالصوفية هم - كما يقول الإمام الغزالي - السالكون لطريق اللّه تعالى خاصة .
ويحدد الغزالي معالم طريقتهم بقوله :
أول شروطها : تطهير القلب بالكلية عما سوى اللّه تعالى .
ومفتاحها : استغراق القلب بالكلية بذكر اللّه .
وآخرها : الفناء بالكلية في اللّه .
وهكذا ينتهى الأمر إلى قرب يكاد يتخيل منه طائفة الحلول والاتحاد وطائفة الوصول وكل ذلك خطأ 19 .
والعقل هو الذي يفصل في ذلك ويبين وجه الصواب في الأحوال التي تطرأ على العارفين . وفي ذلك يقول الغزالي في كتابه مشكاة الأنوار عن العارفين بعد عروجهم إلى سماء الحقيقة وتخيلهم الاتحاد أو الحلول أو ما شاكل ذلك :
" العارفون - بعد العروج إلى سماء الحقيقة - اتفقوا على أنهم لم يروا في الوجود إلا الواحد الحق . لكن منهم من كان له هذه الحال عرفانا علميا ، ومنهم من صار له ذلك حالا ذوقيا . وانتفت عنهم الكثرة بالكلية ، واستغرقوا بالفردانية المحضة ، واستوفيت فيها عقولهم فصاروا كالمبهوتين فيه ، ولم يبق فيهم متسع لا لذكر غير اللّه ولا لذكر أنفسهم أيضا ، فلم يكن عندهم إلا اللّه . فسكروا سكرا دفع دونه سلطان عقولهم . فقال أحدهم " أنا الحق " وقال الآخر : سبحانى ما أعظم شأني . وقال آخر : ما في الجبة إلا اللّه . وكلام العشاق في حال السكر يطوى ولا يحكى . فلما خف عنهم سكرهم وردوا إلى سلطان العقل الذي هو ميزان اللّه في أرضه عرفوا أن ذلك لم يكن حقيقة الاتحاد ، بل شبه الاتحاد مثل قول العاشق في حال فرط عشقه : ( أنا أهوى ومن أهوى أنا ) " 20 .
موسوعة التصوف الاسلامي — صفحة 23
مساهمون: محمود حمدي زقزوق
ص٢٣