( ب ) الاتجاه الزهدى :
وإذا كان البعض قد سوى بين التصوف والخلق كما رأينا - اعتمادا على أقوال بعض الصوفية - فهناك أيضا من يذهب إلى تعريف التصوف بالزهد . وفي أقوال الصوفية أنفسهم ما يؤيد ذلك .
فقد سئل سمنون ( ت حوالي 297 ه ) عن التصوف فقال : " ألا تملك شيئا ولا يملكك شئ " 15 .
وقال أبو الحسين النوري : " الصوفي من لا يتعلق به شئ ولا يتعلق بشئ " .
وقال أبو عثمان المغربي ( ت 373 ه ) : " التصوف قطع العلائق ورفض الخلائق واتصال بالحقائق " .
وقال أبو علي الروذباري ( ت 322 ه ) : " الصوفي من لبس الصوف على الصفا ، وأطعم نفسه طعام الجفا ، ونبذ الدنيا وراء القفا ، وسلك سبيل المصطفى " .
وقال أبو محمد رويم ( ت 303 ه ) : " التصوف مبنى على ثلاث خصال : التمسك بالفقر والافتقار ، والتحقق بالذل والإيثار ، وترك التعرض والاختيار " .
ويقول سهل بن عبد اللّه التستري : " التصوف قلة الطعام والسكون إلى اللّه والفرار من الناس " 16 .
ولعل تعريف التصوف بالزهد هو الأمر الذي يتبادر إلى ذهن كثير من الناس .
فالمتصوف رجل زاهد في الدنيا ، راغب عنها لا يتعلق قلبه بها . ولكن تعريف التصوف بالزهد لا يكفى أيضا للكشف عن حقيقته . فليس كل زاهد متصوفا وإن كان كل متصوف زاهدا .
هذا فضلا عن أن الصوفية الذين يفهم من أقوالهم غلبة الاتجاه الزهدى أو الأخلاقي في تعريف التصوف لهم أيضا من الأقوال ما يكشف عن جوانب أخرى للتصوف .
ومن ناحية أخرى نجد أن زهد غير الصوفي هدفه الاستمتاع في الآخرة . أما الصوفي فإنه يزهد في الدنيا لأنه يتنزه عن أن يشغله شئ عن اللّه .