الذي بيده وحده خلاصهم . هذا الإله الذي أسماه أحد الهداهد " السمرغ " طالبا منهم تحمل المشاق والصعاب التي يواجهونها في رحلتهم . . . وما أن بدأت الرحلة حتى بدأت بعض الطيور تتقاعس عن مواصلة الرحلة ، وبدأ الكثيرون يسوقون بعض المعاذير تلو المعاذير ، كما هلك عدد كبير من الطير :
إما لأنهم لم يحسنوا الاستعداد للطريق ، وإما لأنهم كانوا غير صادقين في سلوكهم ، وشغل آخرون بمفاتن الطريق ومحاسنه . . . ، وأخيرا تصل الرحلة إلى نهايتها حيث وصل عدد قليل جدا لا يتعدى الثلاثين طائرا إلى الحضرة . وهنا تتبلور الفكرة الرئيسية من المنظومة وهي فكرة الوحدة الشهودية بين السالك والحضرة العلية . . . 44 .
أما في رسالة " الغربة الغربية " للسهروردى ، نجد أنه حاول أن يقرأ بعض الوقائع والحوادث التاريخية الواردة في القرآن قراءة رمزية صوفية . ففي مستهل رسالة " الغربة " يتحدث عن رسالة بعث بها إليه سجين الظلمات عبر حمامة جاءت بها من بلاد سبأ ( سورة النمل : 22 ) ، وهي رسالة من أبيه يقول له فيها إنهم يشيرون إليه بإشارات ولكنه لا يفهمها ، وهم يدعونه ولكنه لا يأتي ، ويأمرونه بأن يأوى إلى جبلهم ويبلغ أهله ، وأن يركب السفينة ( سورة الكهف : 71 ) ، ويقول :
بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها
( هود : 41 ) . . .
ويضيف السهروردي أنه في هذه القصة هو بعينه الغريب الذي اغترب في الغرب في قرية القيروان
الظَّالِمِ أَهْلُها
( النساء : 75 ) الذين ألقوا به في أعماق بئر لا يسمح له بالخروج منه إلّا في الليل فقط . . . ولابد من الرحيل . . . الرحيل حقا والخروج من مصر . . .
وبلوغ سيناء هو ، بالنسبة إلى النفس ، العود إلى " أبيه " الذي يسكن المشرق ، كما تقول الآية
يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ( 27 ) ارْجِعِي
( الفجر ، 27 : 28 ) ، لكن حذار أيتها النفس أن تفهمى من الوطن دمشق أو بغداد أو أي وطن آخر أرضى 45 .
أما بعد : فإن الحديث عن " التأويل " عند الصوفية ، بل وعند المتكلمين والفلاسفة المسلمين يؤكد أن الفكر الإسلامي كان وما زال فكرا حيويا منفتحا وليس فكرا منغلقا أو تراثا جامدا . فلقد كان لهذا الفكر فضل السبق والريادة في الحديث عن مفهوم " التأويل " وعلاقته ب " النص " الأمر الذي احتل بعد ذلك مساحة كبيرة في الفكر الفلسفي المعاصر .