فمنهم من يجمع هذا كله في صورة عبادته ، وصورة عمله ، فيسرى التثليث « 1 » في جميع الأمور لوجوده ، في الأصل ، ولقد قال فيمن قال بالتثليث : إنه كافر ، فقال - لقد كفر الذين قالوا إن اللّه ثالث ثلاثة - وما سماه مشركا فإنه ستر ما كان ينبغي له إذ قال به أن يبين صورته ، ولو بين صورته لقال هذا الذي قلناه ، وتبين للسامع الحق في ذلك .
فلما ستر هذا البيان سماه كافرا ، لأنه - ما من إله إلا إله واحد - وإن كانت له أحكام مختلفة « 2 » ، ولا بد منها .
فلو لم يستر هذا الكافر ، وأبان لقال ما هو الأمر عليه .
وأما من يدعى أن الآلهة ثلاثة ، فذلك مشرك جاهل ، ونعوذ باللّه أن يكون عاقل من المشركين « 3 » .
فالعدد أحكام الواحد « 4 » .
وقد جاء العدد في الأسماء الحسنى ، وجاء :
قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا
« 5 » من حيث دلالته على عين المسمى ، فله - أي لذلك المسمى - الأسماء الحسنى - التي « اللّه » و « الرحمن » منها ممّا هي أسماء لكن الأفهام قاصرة عن إدراك ما يريده اللّه في خطابه بأي لسان كان » انتهى ما قاله ابن عربى رحمه اللّه تعالى رحمة واسعة حرفيا .
وبهذا يتبين لك الأمر واضحا جليا لا لبس فيه : أن الشيخ الغزالي جانب الصواب ، وهاجم ابن عربى بغير حق .
هامش
( 1 ) تثليث الحكم .
( 2 ) فهو خالق ورازق ، وقادر ، وعالم ، وباسط ، وما إلى ذلك من صفات
( 3 ) يقصد أن المشركين جميعا مجانين لا عقول لهم وليس معنى هذا أنه يقول إن الكافر عاقل ، وإنما فسرها بقوله الذي ذكره لنا صاحب شذرات الذهب أنه قال : « من طلب الدليل على وحدانية اللّه فالحمار أعرف باللّه منه » فالكل عنده في ميزان واحد ، وإن تفرق كلامه عنهم في الفتوحات .
( 4 ) قوله فالعدد أحكام الواحد ملخص كل ما قاله وهو المقصود من الكلام كله .
( 5 ) سورة الإسراء ، الآية : 110 .