التحقيق :
أ - المقصود بالمقطّعة أن ذكر الحبيب واستحضاره ذهنيا مع حضوره الدائم في السرّ والقلب تضيق به القدرة وتغصّ به الروح حتى ليكاد المحب أن يموت من الإحاطة به بهذه الدرجة . ولهذا فإن الحبيب - عطفا على المحبّ وشفقة به وخوفا عليه - يحذّره روحيا من تجاوز المقدار فيرسل إليه طيفه راجيا أن يقتصد في ذكره ويقتصر على تطلّبه في مظاهر الكون المختلفة دون استحضاره في ذهنه وروحه لأنه حاضر المعنى فيه : يشير بذلك إلى أن الحق ( سبحانه ) لا يتجلى لشيء إلا جعله دكّا كما في القرآن الكريم ( 18 الكهف : 99 ) .
ب - اخترنا « يتلفني » في البيت الأول لجرسها الموسيقي ولأنها تعني الموت البطيء والعذاب الطويل كفعل الشوق في قلب المحب المهجور ، ومن هنا قيل ، في أخبار المعزّرين والمحكوم عليهم بالموت ضربا بالسياط ، « ضرب ضرب التلف » ، وهو الهلاك كما في المعاجم . ومما يؤيّد هذه الدعوى أن الخليفة أوصى صاحب شرطته بأن : « يضربه [ - الحلّاج ] ألف سوط ، فإن تلف حزّ رأسه واحتفظ به وأحرق جثته ( تاريخ بغداد 8 / 140 ) .
ج - استشهد أبو عبد الرحمن السلمي بالبيتين الأولين من هذه المقطّعة ضمن فقرة من : جوامع آداب الصوفية عنوانها : « الحضور وقت الذكر ومجانبة الذكر على الغفلة » . وشرح أبو منصور ، الذي نظنّ أنه الحلّاج هنا ، الفكرة بقوله : « من ذكر اللّه - وهو يشاهد غيره - لا يزداد منه إلا بعدا ، ويقسو قلبه ، ويكون مستدرجا لا يهتدي إلى شيء من رشده » . وأضاف إلى ذلك عبارة للجنيد قال فيها : « ذكر الغفلة يكون جوابه اللعن والطرد » ، كما في جوامع آداب الصوفية للسلمي ، ( ص 35 ) .
د - قبل إنشاء أبي بكر الكتّاني ( محمد بن علي بن جعفر ، ت 322 ه / 934 م ) لهذين البيتين ، إعجابا وترنّما ، قال :
« لولا أن ذكره [ تعالى ] فرض عليّ ما ذكرته إجلالا له ! مثلي يذكره ،