المغروسة في جبلّة الوجود هي قوانين إلهية طبيعية معا ، فهي تقرر مصير العالم ، فكل شيء في العالم يجري بمقتضى الجبرية الأزلية ، وهذا الاعتقاد يقتضي بأن كل إنسان يولد عاصيا أو مطيعا ، شريرا أو خيرا ، وفقا لما طبعت عليه عينه التابعة في العلم القديم « 1 » . وهذا أيضا عين ما ذهب إليه الفيلسوف اسبينوزا « * » في العصر الحديث حول الإرادة والقدرة ، فهو يصور إلهه لا قدرة له ولا إرادة ، ولا يفعل ما يفعل لعلّة أو غاية ، وأنما تصدر الأشياء عنه وفق ضرورة أزلية وحتمية ثابتة ، لا شيء في الكون عرضي ، بل كل شيء يتحدد وجوده على نحو معين وطبقا لضرورة الطبيعة الإلهية « 2 » .
وخلافا لما يراه ابن عربي واسبينوزا ، فإن الجيلي يرى أن الإرادة الإلهية تفعل في الموجودات ، وهي المهيمنة ، وذلك لقوله تعالى :
ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها
« 3 » مما يدل على شمول الإرادة وإحاطتها بكل موجود ، وكما أنها تشمل الطائع فإنها تشمل العاصي ، إذ أن الحق قضى بأن تعبد كل طائفة ما اختارته من عبادة ، وذلك من الجهة التي تقتضيها الصفة المؤثرة في ذلك الأمر من حيث اسمه " الهادي " أو " المضل " .
ولذلك فهو الفاعل بهم على حسب ما يريده مراده ، وهو عين ما اقتضته صفاته « 4 » .
بعد أن عرضنا لرأي الجيلي في الإرادة الإلهية ووظيفتها وطبيعتها وشموليتها ، لنا أن نتساءل : هل هذه الإرادة مجبورة أم مختارة ، في أفعالها ؟
يذهب الجيلي كما رأينا إلى أبعد حد في إطلاق الحرية للإرادة الإلهية في أفعالها وعلاقتها بالخلق ، فهي إذن مختارة ، وذلك خلافا لابن عربي في حكمه عليها
هامش
( 1 ) الطويل ( توفيق ) ، فلسفة الأخلاق الصوفية عند ابن عربي ، ص 165 .
( * ) فيلسوف يهودي هو باروخ بندكت ، يقول بمذهب وحدة الوجود والجبر ، وهو في تصويره لمذهب وحدة الوجود في أقصى تطوره في العصر الحديث فإنه يلتقي مع فكرة ابن عربي بأن هناك جبرية أزلية ، يسير العالم بمقتضاها ، وهي قوانين إلهية طبيعية معا مغروسة في جبلة الكون ( إبراهيم بيومي مدكور . وحدة الوجود بين ابن عربي واسبينوزا ) الكتاب التذكاري ، ص 376 .
( 2 ) مدكور ( د . إبراهيم بيومي ) ، وحدة الوجود بين ابن عربي واسبينوزا ، ص 376 .
( 3 ) سورة هود ، الآية : 56 ك .
( 4 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الثاني ، ص 81 .