شيئا بالاختيار ، بل يفعله على حسب ما اقتضاه العالم من نفسه ، وما اقتضى العالم من نفسه إلّا هذا الوجه الذي هو عليه ، فلا يكون مختارا ، هذا كلام الإمام محي الدين في الفتوحات المكية ، ولقد تكلم على سرّ ظفر به من تجلّي الإرادة وفاته منه أكثر مما ظفر به وذلك من مقتضيات العظمة الإلهية . ولقد ظفرنا بما ظفر به ثم عثرنا بعد ذلك في تجلّي العزّة على أنه مختار في الأشياء ، متصرف فيها بحكم المشيئة الصادرة ، لا عن ضرورة ولا مريد ، بل شأن إلهي ووصف ذاتي كما صرح اللّه تعالى عن نفسه في كتابه فقال : وربك يخلق ما يشاء ويختار ، فهو القادر المختار العزيز الجبار المتكبّر القهّار « 1 » " « 2 » .
هكذا يتضح لنا أن هناك أوجه خلاف بين ابن عربي والجيلي بصدد قضية الجبر والاختيار ، فالجيلي يقول بحرية الإرادة وقدرة اللّه على الاختيار على حين نرى ابن عربي ينفي القول بالاختيار ويثبت الجبرية ، وهذا الخلاف حول قضية الجبر والاختيار لم يقتصر على ابن عربي والجيلي فقط ، بل كان الخلاف قديما بين المسلمين منذ عصرهم الأول عندما تناولوا هذه المشكلة وقامت حولها خلافات كثيرة بين الفرق المتعددة ، وتباينت الآراء والاتجاهات حولها .
فمنهم من مال إلى القول بالقدرة أو الاختيار يعني أن الإنسان قادر خالق لأفعاله ، أي له قدرة واستطاعة من نفسه قبل الفعل وهؤلاء هم المعتزلة ، وقد أشار القاضي عبد الجبار إلى موقفهم هذا بقوله : بل يفعلون ما أمروا به ونهوا عنه بالقدرة التي جعلها اللّه لهم وركبها فيهم " « 3 » .
ومنهم من يخالفهم في موقفهم هذا وهو الجبرية فيميلون إلى نفي الفعل عن العبد ، واضافته إلى اللّه تعالى ، فيصبح الإنسان مجبورا في أفعاله ، لا قدرة له ولا إرادة
هامش
( 1 ) سورة القصص : الآية 68 ك ، والآية هي :وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُوالآية :الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُسورة الحشر ، الآية 23 م .
( 2 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ص 57 .
( 3 ) القاضي عبد الجبار : شرح الأصول الخمسة ، تحقيق عبد الكريم عثمان ، القاهرة ، 1965 ، ص 301 .