" فالكل مفتقر ما الكل مستغن " إشارة إلى هذه العلاقة ، إذ أن نسبة افتقار كل وجه من وجهي الحقيقة الوجودية للوجه الآخر هي نسبة معقولة في الذهن لكنها مفقودة في الحس والمعاينة ، لأنها تعود جميعها إلى الحق لقيام الوجود به بفعل سريانه في الصور ، ولولا ذلك لما كان العالم فيقول : " فالكل مفتقر ما الكل مستغن وذلك لتعلق الأمور بعضها ببعض ، فليس افتقار المفعول إلى ما هو عينه بأولى من افتقار الفاعل إلى من هو منفعل عنه ، لظهور حكمه فيه وسلطانه ، غير أنه في الفاعل فيه عزّة ، ولذلك ربط اللّه سبحانه وتعالى المشيئة به فقال " ولو شاء " و " إن يشاء " وهو المفعول بصحبته ذلّة لزوال المشيئة عنه ، والمشيئة تورث العزّة ، ولذلك سقنا الاقتدار والعزّة للّه سبحانه وتعالى " « 1 » وهو في ذلك يقتدي بأبي طالب المكيّ ( ت 297 ه ) « * » حول ما أورده بشأن القدرة الإلهية والاقتدار والمشيئة بقوله : " إن المشيئة عرش الذات ، لهذه العزّة التي نطلبها ، والعزّة للذات بالذات ، وللّه ولرسوله وللمؤمنين في إيمانهم لا من ذواتهم ، بل من حكم هذه الأمور ونسبتها إلى ما ذكرناه " « 2 » .
ويترتب على المشيئة الإلهية المتمثلة في قوله تعالى :
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
« 3 » حرية التصرف ، والعمل ، والاختيار للّه ، وهذا ما يثبت ، بل ويؤكد بأن اللّه حر في أفعاله ، لا تقييد فيها ، مختار فعّال لما يريد ، وقد أشار إلى ذلك بقوله : " اعلم أن الإرادة الإلهية المخصصة للمخلوقات على كل حالة وهيئة ، صادرة من غير علة ولا سبب بل محض اختيار إلهي لأنها ، أعني الإرادة ، حكم من أحكام العظمة ، ووصف من أوصاف الألوهية ، فألوهية وعظمته لنفسه لا لعلة ، وهذا بخلاف ما رأى الإمام محي الدين بن العربي رضي اللّه عنه فإنه قال : لا يجوز أن يسمى اللّه مختارا فإنه لا يفعل
هامش
( 1 ) الجيلي ، أمهات المعارف ، ورقة 1 .
( * ) هو عمرو بن عثمان بن كرب أبو عبد اللّه المكي ، صاحب قوت القلوب ، قال أبو نعيم أنه معدود في الأولياء ، ( طبقات الصوفية للسلمي ، ص . ص 200 - 205 ، حلية الأولياء 10 / 291 ) .
( 2 ) المصدر السابق ، ورقة 3 .
( 3 ) سورة الإنسان ، الآية : 30 م .