فآونة يقضي عليّ بطاعة * وحينا بما عنه نهتنا الشرائع
لذلك تراني كنت أترك أمره * وآتي الذي ينهاه والجفن دامع « 1 »
فالجيلي كما نراه هنا يحاول أن يثبت النفي بما يشبه الإثبات وذلك بنفي الجبرية ، فيعتبر أنه أعطي القدرة على المشاهدة والفعل والإرادة دون أي اعتراض عليه ، وذلك كي لا يظهر مسلوب الإرادة ، كما أنه ينفي عنه الجزء الاختياري ، فيجعل حكم اللّه وقضاءه هو المسيطر الذي له الحكم فتكون الطاعة الملازمة له أو التمثل لأمر الشرع وما نهى عنه ، وهو في هذا يربط فكرته بالفناء ، هذا الفناء الذي يستهلك المحب في محبوبه ، فلا يملك القدرة على الاختيار ، فيكون هناك إرادة تختار له ما تقتضيه من شؤون ، وعليه قام مذهبه في الجبرية ، وأقام كذلك نظريته المخالفة لنظرية ابن عربي في الاختيار القائم على الإرادة الإلهية ، وفيها يقول :
لولا إرادته التعرف لم يكن * للكنز إبراز من الخفيّات « 2 »
ويبيّن لنا الجيلي في هذا المجال العلاقة بين هذا الفعل من الحق وبين ما يترتب عليه من جزاء وعقاب ، وذلك على ما هو مستحق لذلك . فيكون الجزاء على حسب مقتضى الأسماء والصفات ، فلا تنفع طاعة ولا معصية أو شرك ، لأن ذلك مردّه إلى الإرادة الإلهية التي تفعل ما تشاء ، ولذلك يرى أنه " لا ينفعه إقرار أحد بربوبيته ، ولا يضرّه جحود أحد بذلك ، بل هو سبحانه وتعالى يتصرف فيهم على حسب ما هو مستحق لذلك من تنوع عباداته التي تنبغي لكماله ، فكل من في الوجود عابد له مطيع لقوله تعالى
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ
« 3 » لأن من تسبيحهم ما يسمّى مخالفة ومعصية وجحود أو غير ذلك ، فلا يفقهه كل أحد " « 4 » وعلى هذا يمكن القول بأن الجيلي في مبحث الأخلاق جبري ، لتخلّيه عن إرادته أمام إرادة الحق ، فهو إذن لا إرادة له ، لأن الإنسان عند الصوفية لا قيمة له كفرد بل هو متحد مع مبدأ الكل ،
هامش
( 1 ) الجيلي ، القصيدة النوادر العينية ، ورقة 172 ، ص أ .
( 2 ) الجيلي ، الإنسان الكامل ، الجزء الأول ، ص . ص 55 - 56 .
( 3 ) سورة الإسراء ، الآية : 44 ك .
( 4 ) المصدر السابق ، الجزء الثاني ، ص 81 .