فهذه صورة العبد المجبور على الفعل ، فهو في منزل الحيرة ومقام الغيرة ، ذلك أن العدم يتصف بالكينونة وهذه نقيصة له ، كما يتصف الحق بجعل الموجودات في العدم وخلق العدم بحيث أن يقال فعل الفاعل لا شيء . وهذا النفي لا يشير إلى فعل :
" فلا شيء يكون فعلا ، وقد نسب الحق هذا الأمر إليه فقال :
إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ
، فيلحقكم بالعدم ،
وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ
« 1 » وفي هذا نرى كيف أضيف الإلحاق بالعدم إلى المشيئة ولم يضيفه إلى القدرة التي يرجع إليها أمر الخلق والجعل بها " « 2 » .
وتؤكد هذه الجبرية على ضعف المخلوق أمام الخالق ، إذ لا حيلة له في فعل شيء ، فينتفي عنه الفعل لأن الفاعل هو اللّه ، بل هو الخالق لأفعاله ، وما ثمّ إلا اللّه " يقول :
تعجبت من تكليف ما هو خالق * له وأنا لا فعل لي فأراه
فيا ليت شعري من يكون مكلفا * وما ثمّ إلا اللّه فليس سواه « 3 »
فإسناد الفعل إلى الخالق وتعطيل الإرادة الإنسانية كما يظهر في مذهب وحدة الوجود هو من باب التوحيد ليس إلا . إذ أن مردّ كل أمر إلى اللّه . وما يريده العبد لا يقع ولا يتحقق إلا بموافقة الإرادة الإلهية ووفق ما تقضي به مما يتوجب معه القول بالقضاء والقدر . إذ أن ما يقضي به اللّه ويقدره هو المحقّق فعلا وكل ما عداه فهو وهم يرسمه الخيال . فابن عربي هو إمام في هذه المسألة لأنه يسند كل فعل إلى اللّه باعتباره الفعّال لما يريد ، وفعل العبد مرتهن حدوثه ووقوعه بما قدّر به اللّه أزلا وقضت به مشيئته وإرادته ، ولهذا فقول ابن عربي " إن اللّه تعالى أراد من العالم ما هم فاعلوه ، وهم مع ذلك غير مجبورين فيما يختارونه " « 4 » قول يسمح للعبد بالتحرك والاختيار ، لكن ضمن دائرة محددة لا يمكن اجتيازها إلى خارج حدودها ، وهذا يستدعي التمييز بين فعل العبد وفعل الرب لما بينهما من فارق الإحداث لها ، ويطلعنا على هذه الفوارق
هامش
( 1 ) سورة فاطر ، الآية 16 ، ونص الآية هو :إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ.
( 2 ) ابن عربي ، الفتوحات ، الجزء الثاني ، ص 803 .
( 3 ) ابن عربي ، كتاب الجلالة ( الرسائل ) ، ص 12 .
( 4 ) ابن عربي ، شجون المسجون ، ورقة 21 ، ص . ص أ - ب .