منه ، والمجبور غير مؤاخذ إلا أن يكون ذلك الجبر أيضا جبرا كقوله :
وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ
« 1 » وتمامه ، ويتحقق ذلك من فهم قوله تعالى :
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ
« 2 » " « 3 » .
وقد يفهم البعض من قول ابن عربي بالاختيار من قبيل النظر إلى العبد معرّى عن علّته وسببه ، مما قد يوهم القول بالوجود الذاتي وذلك من حيث قوله في اعتقاد أهل الاختصاص " أقول بالحكم الإرادي لكي لا أقول بالاختيار ، فإن الخطاب بالاختيار الوارد إنما ورد من حيث النظر إلى الممكن معرّى عن علته وسببه ، موهما بذلك للقول بالوجوب الذاتي ، وصار سببا للطعن فيه . . . " ويشرح البرزنجي هذا القول لابن عربي بأن ما نقله عنه قد تضمن بأن اللّه فاعل بالاختيار ، لا علة موجبة بالذات للمعلول ، وأن وجه الصحة في قوله " بالحكم الإرادي لا بالاختيار " أن الاختيار في اللغة هو الانتقاء والاصطفاء للشيء على غيره ، ولهذا أطلق في القرآن على نحو قوله تعالى :
وَلَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ
« 4 »
وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ
« 5 » وليس الاختيار بهذا المعنى سوى ترجيح ذلك المختار وتقديمه على غيره ، والترجيح فرع الاحتمال ، فالعبد هنا هو الممكن ، وما يراه ابن عربي أن الممكن من حيث هو معرّى عن علته وسببه ، أي بالنظر إلى إمكانه الذاتي مجردا عن علته وسببه ، المرجح لوجوده على عدمه ، فهو قابل للطرفين من الوجود والعدم ، وكلما كان كذلك صح الترجيح ، فصح بالتالي الاختيار بهذا المعنى ، وإما بالنظر إليه من حيث سبق العلم بالوقوع أو اللاوقوع " « 6 » .
وكنتيجة حتمية لإمكان العبد ، فإن ما يراه ابن عربي أن الإنسان مجبور في عين اختياره وذلك عند كل ذي عقل سليم ، مع أن كل ما يظهر من أفعال يجوز أن يفعله اللّه تعالى وحده لا بأيدينا ، ولكن لم يقع الفعل في الشاهد ولم يظهر إلا بأيدينا ، إذ
هامش
( 1 ) سورة الأنعام ، الآية : 110 ك .
( 2 ) سورة الإسراء ، الآية : 18 ك .
( 3 ) ابن عربي ، شجون المسجون ، ورقة 21 ، ص . ص أ - ب .
( 4 ) سورة الدخان ، الآية : 32 ك .
( 5 ) سورة القصص ، الآية : 68 ك .
( 6 ) البرزنجي ، الجاذب الغيبي ، ص 80 .