عند ابن عربي :
تأخذ بلقيس عند ابن عربي عدة وجوه تتفاوت في تضاربها ، وهذا نادر جدا ما يحدث في نصوص الشيخ الأكبر ، الذي عودنا صفاء فكر ووضوح منطق ووعيا متكاملا لكل ابعاد كلامه . فما سر هذا التضارب في « بلقيس » ؟ وكيف نظر إليها ؟
* * * * بلقيس أنثى متولدة بين الانس والجن - أبوها من الجن وأمها من الانس .
يقول في شرح ترجمان الأشواق ص 15 :
« . . . وسماها بلقيسا لتولدها بين العلم والعمل ، فالعمل كثيف والعلم لطيف كما كانت بلقيس متولدة بين الجن والانس ، فإن أمها من الانس وأباها من الجن . ولو كان أبوها من الانس وأمها من الجن لكانت ولادتها عندهم . وكانت تغلب عليها الروحانية ولهذا ظهرت بلقيس عندنا »
يمكن تفصيل هذا النص إلى قسمين : الأول يفيد تولد بلقيس بين الجن والانس ، والثاني : يفيد ظهورها في دنيا الانس .
فمن حيث تولدها بين الانس والجن هذا منبع الاشكال والتضارب في نصوص الشيخ الأكبر ولنا عودة اليه .
اما ظهورها في عالم الانس ، الذي يرجعه ابن عربي إلى كون ، أمها من الانس . فهذا منسجم تماما مع مجمل أفكاره لأنه يرى أن الام محل التكوين والاستحالات ، وبالتالي مكان الظهور [ راجع « أم » ] لذلك بلقيس ظهرت تبعا لامها ، فكانت ولادتها عند الانس . وانسجام القسم الثاني من النص مع موقف ابن عربي عامة يزيد من حدة تباينه مع القسم الأول ، ويقتضي ضرورة البحث عن سبب هذا الاشكال . وهذا ما سنفعله في نهاية شرحنا لهذا المصطلح .
* * * * لم يستمر ابن عربي في رؤيته لبلقيس على أنها متولدة بين الانس والجن ، بل نفى ذلك ناعتا إياه بالمرويات والمقولات . . . يقول :
« . . . قالت بلقيس : كأن هو 1 . وهو كان لم يكن غيره ، فطلبنا عين السبب الموجب لجهلها به ، حتى قالت كأنه هو . فعلمنا ان ذلك حصل لها من وقوفها مع الحركة المعهودة في قطع المسافة البعيدة . وهذا القول الذي صدر منها يدل عندي ،