واهبط إبليس للاغواء هبوط خذلان ، وعقوبة ، واكتساب أوزار ، فان معصيته كانت لا تقتضي تأبيد الشقاء . فإنه لم يشرك بل افتخر بما خلقه اللّه عليه . وكتبه اللّه شقيا . ودار الشقاء مخصوصة باهل الشرك . فانزله اللّه إلى الأرض ليسنّ الشرك . . . فإذا أشركوا وتبرأ إبليس من المشرك ومن الشرك ، لم ينفعه تبريه منه ، فإنه هو الذي قال له « اكفر » . . . فحار عليه وزر كل مشرك في العالم ، وان كان هو موحدا . . . فهو أول مشرك باللّه 7 وأول من سنّ الشرك ، وهو أشقى العالمين . . . » ( الفتوحات السفر الثالث ص ص 402 / 407 ) .
يظهر بوضوح من خلال ما تقدم موقف ابن عربي من إبليس ، فهو ليس مبدأ للشر ، بل خلقه وأوجده التكليف . وتميز عن بقية الملائكة والجن بالمعصية للامر الإلهي ، وجازت مقارنته بآدم المخلوق مثله الذي عصى مثله 8 .
وينتقل ابن عربي من آدم وإبليس كشخصين إلى بيان التمثيل في قصتهما للشر كافة . فإبليس رمز المخلوق العاصي صاحب الدعوى المستمر في عصيانه فمعصية واحدة أدت إلى شركه وكفره وبالتالي إلى شقائه الأبدي .
اما آدم رمز المخلوق العاصي التائب المعترف بذنبه المغفور له فالمستخلف في الأرض . وكما أن آدم رمز للجنس البشري أضحى إبليس رمزا لجنس الشيطان .
* * * * ان إبليس أو الشيطان هو الذي يوسوس للانسان ، وجلي عن البيان كون الوسوسة تأتي الانسان من داخل نفسه أو من خارجها ، اما الوسوسة الخارجية فهي المعبر عنها بإبليس أو الشيطان المنفصل عن الانسان كما مرّ في التعريفين الأول والثاني ، واما الوسوسة من داخل النفس ، فقد نص القرآن كما أشار الحديث إليها . فمنبعها النفس المسولة ، وهي الشيطان .
يقول ابن عربي :
« اخبر اللّه تعالى . . . في كتابه العزيز ، في حكاية عن إبليس ، بان قال منكرا عليه :
« ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ . . . »
[ 38 / 75 ] والمراد بإبليس هنا هي النفس المسولة ودليلها قوله تعالى : قال :
« بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ » *
9 ، وهي الشيطان الذي سئل عنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، هل لكل أحد شيطان ، قال : نعم ، قيل : وأنت يا رسول اللّه . قال : وانا لكن أعانني اللّه عليه فأسلم 10 » ( كتاب شق الجيوب ص ص 21 - 22 ) .