اختلاف العرفاء مع أهل الظاهر ، ناشئ من اختلاف النفوس
وفذلكة المقام إنّ النفوس تتفاوت على حسب جبلّاتها واستعداداتها في تلقّي الحقائق الراهنة ؛ فمنها ما تبهظه المعضلات والأسرار ، ومنها ما ينبسط لها فيبسط لها ذراعاً ويمدّ لها باعا [ 1 ] . وبطبع الحال فإن الفئة الأولى لا يسعها الرضوخ لما لا يعلمون ، كما أنّ الآخرين لا تبيح لهم المعرفة أن يذروا ما حقّقوه في مِدْحرة البطلان ؛ فهنالك تثور المنافرة وتحتدم الضغائن ، ونحن نقدّر للفريقَينِ مسعاهم لما نعلم من نواياهم الحسنة وسلوكهم جدد السبيل في طلب الحقّ ، ونقول :
عَلَى المَرْءِ أنْ يَسْعَى بِمِقْدَارِ جُهْدِهِ * وَلَيْسَ عَلَيهِ أنْ يَكُونَ مُوَفَّقَا
ونعلم : إنَّ النَّاسَ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ . [ 2 ]
وقد تواتر عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام :
إنَّ أمْرَنَا - أوْ حَدِيثَنَا - صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ ؛ لَا يَتَحَمَّلُهُ إلَّا نَبِيّ مُرْسَلٌ أوْ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ، أوْ مُؤْمِنٌ امْتَحَنَ اللهُ قَلْبَهُ بِالإيمَانِ . [ 3 ]
إذاً فلا نتحرّى وقيعةً في علماء الدين ولا نمسّ كرامة العارفين ولا ننقم من أحد عدم بلوغه إلى مرتبة من هو أرقى منه ، إذ :
لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إلَّا وُسْعَهَا . [ 4 ]
هامش
[ 1 ] - الباع : مسافة ما بين الكفّين إذا انبسطت الذراعان يميناً وشمالًا ، أي المسافة بين رؤوس الأصابع في تلك الحال .
[ 2 ] - حديثٌ ثابت عند الفريقين .
[ 3 ] - « بصائر الدرجات » للصفّار ، ص 6 ؛ « أصول الكافي » ص 216 ، « التعليقة » .
[ 4 ] - صدر الآية 286 ، من السورة 2 : البقرة .