ومن هنا نقف على أنّ الثواب الإلهيّ بمقدار ما يكشف العمل عن حقيقة الإيمان . وكلما كان الإيمان والخلوص أكثر ، كانت المثوبة أكثر .
ومعلوم أنّ الإيمان والإخلاص اللذين هما من الصفات النفسيّة أدقّ وألطف وأظرف من الأعمال البدنيّة والخارجيّة المشهودة من واجبات ومحرّمات ومستحبّات ومكروهات ، إذ يكشفان مقام الامتثال في العبد ، ويبيّنا مقدار حبّه وحقيقته . وهذه هي الأعمال المستحبّة والنوافل التي يؤدّيها العبد طائعاً راغباً بلا إلزام وإيجاب ، تدنيه من مقام القرب ، وتجعل له موضعاً في حرم الأمن والأمان الإلهيّ ، وتصيّره جليساً وأنيساً وكليماً وحبيباً للّه . وحينئذٍ لا يكون الثواب ثواب صيام ستّين شهراً ، بل ستّين عاماً ، أو بحجم عمر الدهر ، كما جاء في بعض الروايات الأخرى ، وبصورة عامّة ، عندما يخرج العبد في عمله ونيّته من الحدود والتعيّن إلى اللاتَعَيُّن ، فليس هناك إلّا الله وجماله وجلاله وبحر عظمته الذي لا حدّ له ، ومحيط علمه وحياته وقدرته الذي لا أمد له . وليس هناك حدّ ومقدار وحجم وكمّ وكيف وأين ومتى وجِدَة وفعل وانفعال . وهناك عالم التوحيد الذي لم يزل ولا يزال . وهناك بحر الإيقان والإيمان العميق ، والانصهار في القبسات الربّانيّة والنفحات السبحانيّة .
الحديث القدسيّ في آثار النوافل
روى البخاريّ في صحيحه بسنده المتّصل عن أبي هريرة أنّه قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله :
إن اللهَ قَالَ : مَن عَادَى لي وَلِيَّاً فَقَدْ آذَنْتُهُ بالحَرْبِ . وَمَا تَقَرَّبَ إلَيّ عَبْدِي بِشَيءٍ أحَبَّ إلَيّ افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوافِلِ حتّى احِبَّهُ ، فَإذَا أحْبَبتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الذي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الذي يَبْصُرُ بِهِ وَيَدَهُ التي يَبْطُشُ بِهَا وَرِجْلَهُ التي يَمْشِي بِهَا . وَإنْ سَألَني لأعْطِيَنَّهُ وَلَئِنِ اسْتَعَاذَني لأعِيذَنَّهُ ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيءٍ أنَا فَاعِلُهُ كَتَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ