تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معرفة الإمام — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
وهذه الرئاسة هي الرئاسة الشكليّة المجازيّة لا المعنويّة الإلهيّة ، وهي الرئاسة التي يستغلّها صاحبها ، إذ يسجر له زبانيته التنّور ، ويصنعون له الخبز الحارّ والطازج دائماً ، بينما هناك من هو أفضل منه وأعلم ، وأعرف وأعقل ، وأبصر ، وأكثر تحرّراً من الهوى والهوس ، وأشجع ، وأفهم في الإدارة وتدبير الأمور ، غاية الأمر أنَّ صفاته الذاتيّة الفطريّة المودعة فيه كالحياء ، والإعراض عن الدنيا وعن ما سوى الله ، وعلوّ الهمّة في السير نحو مقام العرفان ولقاء الله ، لا تسمح له أن يزجّ نفسه في هذه المسائل ، ويكون سبّاقاً في أمر يراه كجيفة الدنيا التي تهافتت عليها كثير من الكلاب العاوية ، وهي تريد أن تنفرد في التصرّف بها كيفما كان الأمر . ونلاحظ هنا أنَّ واجبه الفطريّ والعقليّ والشرعيّ هو أن لا يقبل الدعوة إلى الرئاسة ، وأن يردّ هذه الحدائق الخضراء التي أظهروها له في صورة الأمور الدينيّة والشرعيّة ، ولا يسمح للقوى الوهميّة والتخيليّة أن تتفوّق على قواه العقليّة ، فيقوم ويذهب عند ذلك الإنسان المهجور المعزول في بيته لعدم رغبة الملأ فيه ، وإدبار ذوي الأفق الضيّق عنه ، وهو غارق في التفكير قد انطوى على نفسه في ظلمات وحدته - ويعلم هذا المخدوع بحكم الضمير وفيما بينه وبين الله أنَّ المعزول في بيته أعلم منه وأعقل وأبصر وأشجع وأورع - فيخرجه من زاوية الخمول ، وينضوي تحت لواء رئاسته وحكومته ، ويجدّ في سبيل حكومته ، وبغية تطهير نفسه من هذا التوجّه واقتيادها نحو السعادة الأبديّة والفوز الدائم . وخلاصة القول : يتنازل عن الرئاسة الظاهريّة والاعتباريّة ، ويضحّي بها فداءً للعقل والفطرة والشرع ، ويكون كأحد الناس مرؤوساً في هذه الرئاسة . والله يعلم لو قام بذلك ، فأيّ بركات ورحمات متواترة متواصلة تفتح من السماء ! وكم يعيش الناس في الخصب والنعمة وغضارة العيش ! وكم