تعالى : وَمَا يُؤْمِنُ أكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ .
ولا يزال إسلام العبد يصفو وينمو حتى يستوعب تسليمه لله سبحانه في كلّ ما يرجع إليه ، وإليه مصير كلّ أمر .
وكلّما ارتفع الإسلام درجة ورقي مرتبة ، كان الإيمان المناسب له الإذعان بلوازم تلك المرتبة حتى يسلم العبد لربّه حقيقة معنى إلوهيّته ، وينقطع عنه السخط والاعتراض ، فلا يسخط لشيء من أمره ، من قضاء وقدر وحكم ، ولا يعترض على شيء من إرادته ، وبإزاء ذلك الإيمان اليقين بالله وجميع ما يرجع إليه من أمر ، وهو الإيمان الكامل الذي تتمّ به للعبد عبوديّته .
قال تعالى : فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهْمْ ثُمَّ لَايَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا . « 1 »
والأشبه أن تكون هذه المرتبة من الإيمان أو ما يقرب منه هو المراد بالآية ، أعني : قوله : الَّذِينَ ءَامَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ فإنّه الإيمان المسبوق بتقوى مستمرّة دون الإيمان بمرتبته الأولى كما تقدّم .
على أنّ توصيفه أهل هذا الإيمان بأنهم لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُم يَحْزَنُونَ . يدلّ على أنّ المراد منه الدرجة العالية من الإيمان الذي يتمّ معه معنى العبوديّة والمملوكيّة المحضة للعبد الذي يرى معه أنّ الملك لله وحده لا شريك له ، وأن ليس إليه من الأمر شيء حتى يخاف فوته أو يحزن لفقده .
وذلك أنّ الخوف إنّما يعرض للنفس عن توقّع ضرر يعود إليها ، والحزن إنما يطرأ عليها لفقد ما تحبه أو تحقّق ما تكرهه ممّا يعود إليها نفعه
هامش
( 1 ) - الآية 65 ، من السورة 4 : النساء .