وهذه أكبر خيانة للتأريخ ، وأكبر تجنّ على الحقيقة إذ يُتّهم النبيّ بأمر غير صحيح إعلاءً لشخص آخر .
ولو قال أحد : أنّ الشيعة قد انتهجوا في مدح علي بن أبي طالب وتمجيده كما فعل السنّة في اختلاق الروايات لمدح الشيخين وعثمان . فإنّنا نجيب قائلين : هذا كلام خاطئ ، لانّ مقاليد الأمور والحكومة السياسيّة كانت بِيَدِ أنصار الخلفاء ومؤازريهم بعد رسول الله ؛ وكان أنصار علي بن أبي طالب بين منبوذ ، وطريد ، وحبيس ، ومضروب ، ومقتول .
ولم يكن هذا الأمر في يوم أو يومين بل استمرّ حتى عصر رفع التقيّة أيّام الصفويّين وذلك بفتوى العالم الكبير والشيخ الجليل : الشيخ عبد العالي الميسيّ الكَرَكيّ العامليّ ، المعروف بالمحقّق الكركيّ والمحقّق الثاني .
فالسلطة والحكومة وبيت المال والتبليغ والإعلام كلّها كانت بأيدي المعارضين من جميع الجهات ، فأنى للشيعة أن يختلقوا رواية أو حديثاً ؟
ومتى استطاعوا ذلك ؟ إنّهم لم يستطيعوا أن ينقلوا الروايات المأثورة في فضائل أئمّتهم ومناقبهم للآخرين وجهاً لوجه ، والشواهد التأريخيّة على ذلك جمّة ، فكيف يتسنّى لهم أن يزيدوا على المرويّات في فضائل الأئمّة روايات يختلقونها ويبثّونها بين الناس ؟ وقد سُئل الشافعيّ عن أمير المؤمنين عليه السلام وهو من كبار المخالفين وأئمّتهم ، فقال : مَا أقُولُ في رَجُلٍ أسَرَّ أوْلِيَاؤُهُ مَناقِبَهُ تَقِيَّةً وَكَتَمَها أعْداؤهُ حَنَقاً وَعَدَاوةً وَمَعَ ذَلِكَ قَدْ شَاعَ مِنْهُ مَا مَلأتِ الْخَافِقَيْنِ .
وقد أخذ السيّد تاج الدين العامليّ هذا المفاد من الشافعيّ ، فنظم قائلًا :
لَقَدْ كَتَمَتْ آثارَ آلِ محمّد * مُحِبُّوهُمْ خَوْفاً وَأعْدَاؤهُمْ بُغْضا