المراحل الثلاث لعصمة الأنبياء
ويمكن الاستفادة من الآية الشريفة التي ذكرناها في مطلع الدرس في اثبات جميع المراتب الثلاثية للعصمة في الذين بُعثوا لهداية الناس وإرشادهم .
عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً ، إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ
.
اي أولئك الذين يصبحون من جميع الجهات ، ومن زاوية العقائد ، ومن زاوية الصفات النفسيّة والروحيّة مورد رضا الله سبحانه ، وأولئك الذين نالوا مرحلة العبوديّة المحضة ، وخرجوا عن الغرور والعُجب والأنانية في جميع المراحل ، فأصبحوا مرضيّين من قبل الله .
ومعلومٌ انّ الإنسان ما لم يصل إلى هذه المنزلة ، فانّه لن يصبح مورداً للإرتضاء المطلق من ربّه « 1 » ، وهذه هي مرتبة المخلصين . وفي هذه الحالة
هامش
( 1 ) - ويرد هنا هذا السؤال : كيف يكون المراد بالإرتضاء هو الارتضاء المطلق ، بينما المراد بالإرتضاء في الآية 28 من سورة الأنبياء : ( وَلَا يَشْفَعُونَ إلَّا لِمَن ارْتَضَى ) ارتضاءً في الدين والعقيدة ؟
والجواب : لأنّ الشفاعة عائدة لأهل المعصية ، وهي الكبائر ، بدليل الآية 32 من سورة النجم : لِيَجْزِي الَّذِينَ أسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالْحُسْنَي ، الَّذِين يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلّا اللّمَمَ ؛ التي تعدّ من المحسنين الذين يجتنبون الكبائر فقط . وقد قال الرسول صلّي الله عليه وءاله : ( شفاعتي لأهل الكبائر من أمّتي ، فأمّا المحسنون فما عليهم من سبيل ) . وجاء في سورة النساء ، الآية 30 :
إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ؛ وعلي ذلك فانّ نفس الاجتناب عن الكبائر مكفّر للسيّئات والمعاصي الصغيرة .
وعلي هذا الأساس فانّ المراد بالإرتضاء في آية الشفاعة لا بدّ ان يكون - بمناسبة الحكم والموضوع - الارتضاء في الدين والعقيدة لا الارتضاء في السرّ والذات والعمل ، لأنّ صصص تصبح ذاته وسرّه مورداً للإرتضاء فليس هناك من معني للشفاعة له . ويؤيّد هذا المعني الروايات الواردة عن علي بن موسى الرضا عليه السلام ، التي يفسّر فيها الإمام الارتضاء في آية الشفاعة بالإرتضاء في الدين ( في تفسير الميزان ، المجلّد الأول ،