فارتقوا منبر النبيّ وتربّعوا في مقام الخلافة بدلًا من أمير المؤمنين ؟
فالجواب هو قول رسول الله الذي رواه أهل السنة أيضاً : حُبُّكَ الشَّيءَ يُعْمِي ويُصِمُّ « 1 » .
فمن أحبّ شيئاً وكانت محبّته هذه نابعة من الإحساسات ، وكان هوى النفس والقوى الدنية مؤثرة في نشأتها ، فانّ ذلك الشخص سيكون أعمى وأصمّ بالنسبة إلى غير ذلك المقصود والمحبوب ، أي أنّه لن يرى غير ذلك الهدف ولن يسمع غير ذلك الكلام . وليس خفيّاً على أرباب الملل والنحل ، ولا مُبهماً على المطّلعين على السيرة والتاريخ ، أنّ غصب مقام الخلافة من آل بيت الرسول صلى الله عليه وءاله لم يكن له من داعٍ الّا حبّ الحكومة والترؤّس على المسلمين ، والّا بروز النزعة الشخصيّة ، لذا فان جميع هذه الأحاديث والنصوص لن تجدي شيئاً مع وجود تلك الغريزة المهلكة ، فستدفع بها جميعاً - عندما تريد نيل هدفها - إلى طوفان البلاء ليجرفها أشبه بقشّة وأعشاب يابسة ، ولا تتورّع عن مواجهتها لهدفها عن محاربة أهل البيت ، أو عن إحراق باب بيت بضعة رسول الله ، أو عن اقتياد مقام الولاية وجرّه إلى المسجد قسراً ، ثم السعي بحدّ السيف المشرع للإدّعاء بتسليمه وخضوعه مقابل هذه التعدّيات .
وهذه مسألة يجب التأمّل والتدقيق فيها ، لأنّ مقام العلم وإدراك الحقائق أمر ، ومرحلة خضوع النفس وانقيادها إلى الحق أمر ءاخر منفصل عنه ، وهكذا فانّ الكثير من الذين تردّوا في بئر الطبيعة وهاويتها لم يحصل ذلك لهم بجهلهم بطريق الصلاح ، فما أكثر من امتلك منهم علماً كافياً فصار يميّز جيّداً بين القبيح والحسن ؛ ولكنهم أوقعوا أنفسهم عملًا
هامش
( 1 ) - روي المسعودي هذا الحديث في ( مروج الذهب ) ، ج 2 ، ص 302 .